مع انطلاق امتحانات الشهادة السودانية لهذا العام اليوم، والتي يجلس لها أكثر من (564) ألف طالب وطالبة داخل البلاد وخارجها، لا يمكن سادتي النظر إلى هذا الحدث باعتباره مجرد استحقاق أكاديمي دوري، بل هو مؤشر عميق على صمود الدولة والمجتمع في وجه التحديات، ومحاولة جادة لإعادة ترتيب الحياة من جديد.
في ظل ظروف استثنائية تمر بها البلاد، تأتي هذه الامتحانات كرسالة واضحة مفادها أن التعليم لا يتوقف، وأن المستقبل لا يمكن تأجيله مهما تعقدت الأوضاع وأن العدد يؤكد تعافي هذا البلد القوي.
سادتي، عدد الطلاب ليس مؤشر لتعافي الوطن فقط بل أن هناك مؤشرات أخرى مثل اكتمال الترتيبات الفنية والإدارية، من تسجيل وطباعة وترحيل وتأمين، وهي ليست بالأمر الهيّن، بل هي جهد مركب شاركت فيه مؤسسات الدولة كافة، من أجهزة أمنية إلى كوادر تعليمية، في مشهد يستحق التقدير.
لكن ما يلفت الإنتباه أكثر هو البعد الإنساني في القرار، خاصة ما يتعلق بإتاحة فرصة ثانية للطلاب الذين لم يتمكنوا من الجلوس في الموعد المحدد. هذا القرار لا يعكس فقط مرونة إدارية، بل يعبر عن فهم عميق لواقع الطلاب الذين فرضت عليهم الحرب والنزوح واللجوء ظروفاً قاسية خارجة عن إرادتهم. لذا فإن الامتحان هنا لم يعد اختباراً للمعرفة فقط، بل اختباراً للعدالة أيضاً.
كما أن تخصيص امتحانات للطلاب اللاجئين في شرق تشاد وفي دولة الإمارات خطوة مهمة تعكس إدراك الدولة لمسؤوليتها تجاه أبنائها في الخارج، وتؤكد أن الانتماء للوطن لا تحده الجغرافيا. هذه الفئة التي عانت من ويلات النزوح تستحق أن تجد من يمد لها يد العون لتكمل مسيرتها التعليمية دون انقطاع.
ورغم هذه الجهود، تبقى المسؤولية الأكبر على المجتمع. فتهيئة البيئة المناسبة للطلاب ليست رفاهية، بل ضرورة. مناشدة الأسر بعدم التجمهر حول مراكز الامتحانات.
سادتي، إن امتحانات الشهادة السودانية هذا العام ليست مجرد أوراق وأسئلة، بل هي معركة وعي وإرادة، يخوضها الطلاب نيابة عن وطن بأكمله. وكل نجاح يُسجل فيها هو خطوة نحو استعادة الاستقرار، وبناء مستقبل أكثر إشراقاً.
في النهاية، يبقى الأمل معقوداً على هؤلاء الطلاب، ليس فقط لتحقيق نتائج مشرفة، بل ليكونوا الجيل الذي يعيد بناء ما تهدم، ويكتب فصلاً جديداً في تاريخ السودان.