في مشهد وداعٍ اختلطت فيه الدموع بالابتسامات، تحرّك أمس قطار العودة الاختيارية المجانية، برعاية كاملة من جهاز الأمن والمخابرات. وهو القطار الأول عقب توقفه نهاية العام الماضي، والواحد والأربعون من إجمالي رحلات العودة من محطة رمسيس بالقاهرة، حاملاً على متنه أكثر من ألف ومائة سوداني، لا يحملون فقط أمتعتهم، بل يحملون حكايات النزوح واللجوء، وحنينًا وشوقًا إلى الوطن.
سادتي، لم يكن الإحساس بذلك القطار حينها أنه مجرد وسيلة نقل، بل كان جسرًا إنسانيًا بين الغياب والعودة، بين الغربة والانتماء.
على أرصفة المحطة، كانت لحظات الوداع أكثر بلاغة من الكلمات؛ أمهات يلوّحن بقلوب مرتجفة، وأطفال يلتصقون بذكريات تشكّلت في أرض ليست أرضهم، لكنها احتضنتهم حين ضاقت بهم بلادهم وتقطّعت بهم السبل. وبينما يتحرّك القطار ببطء، كان واضحًا أن ما يغادر ليس مجرد أجساد، بل جزء من حكاية إنسانية عميقة، كتبت فصولها الحرب، وختمتها إرادة العودة.
سادتي، إن العودة هنا ليست قرارًا سهلًا، بل هي فعل شجاعة. فالسوداني الذي يختار الرجوع يفعل ذلك محمّلًا بالأمل، رغم إدراكه أن الطريق نحو الاستقرار يحتاج إلى صبر، لكنه يعتبر أن ذلك الأمل ذاته هو الذي يدفع الشعوب للنهوض من تحت الركام، ويعيد تشكيل الحياة من جديد.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الوجه الآخر لهذا المشهد؛ مصر التي فتحت أبوابها وقدّمت نموذجًا حقيقيًا للتضامن الإنساني. لم تكن الاستضافة مجرد واجب، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن عمق الروابط بين الشعبين، حيث امتزجت المعاناة بالتكافل، وظهرت أجمل صور الإنسانية في أبسط المواقف.
سادتي، التحدي الحقيقي لا يكمن في العودة ذاتها، بل فيما بعدها؛ في القدرة على إعادة بناء ما دمّرته الحرب، واستعادة الإحساس بالحياة. إنها مسؤولية مشتركة، ونأمل أن تتضافر فيها الجهود.
هكذا، سادتي، يمضي القطار، لا على قضبان الحديد فقط، بل على دروب الأمل. وفي كل محطة، يثبت الإنسان أنه أقوى من الظروف، وأن الوطن، مهما ابتعد، يظل الوجهة الأخيرة التي لا يمكن استبدالها.