صدى الحقيقة

المطر… شاعر الأرض الأول!

ياسر الفادني
ياسر الفادني
✍️ من أعلي المنصة
30 Jul 2026 👁 8
شارك الخبر:

في بلادي لا يأتي الخريف مجرد فصل من فصول السنة، بل يأتي كائنًا من نور، يحمل بشائر الحياة، ويوقظ في الأرض ذاكرة البذور، وفي القلوب ذاكرة المحبة ، إنه الفصل الذي يدخل الأرواح قبل الحقول، فيغسل عنها غبار القيظ، ويعيد للأفق زرقتَه، وللإنسان يقينه بأن الله إذا أراد للأرض أن تحيا قال للسحاب: امضِ.

ولعل سر الخريف السوداني أنه لا يروي التراب وحده، بل يروي اللغة نفسها، فما من فصل ألهم الشعراء والمغنين كما ألهمهم الخريف، حتى بدت القصيدة السودانية وكأنها خرجت من رحم غيمة، والأغنية ولدت بين برق ورعد ورائحة طين

رأى الحاردلو في المطر حياةً كاملة، لا ماءً يهطل، فجعل من (اترشت البطانة) لوحة نابضة بالحركة، وجاء عمر ود الحسين ليجعل الكرم رعدًا يسبق المطر في رائعته: (يا رعد الخريف الفي سماك دمدم)، بينما نقل بازرعة وعثمان حسين الخريف من الحقول إلى القلوب، فأصبحت (أوراق الخريف) رسائل حب، وصار الخريف عندنا موسم اللقاء لا موسم الفقد

أما حميد، فحوّل المطر إلى فلسفة خلاص في قوله: (يا مطر عز الحريق… يا مصابيح الطريق)، وجعل سيد خليفة موسم الأمطار موعدًا للعودة والأمل، فيما حمل صديق عباس مطر كردفان إلى الأغنية برائحة السافنا ودفء البادية. ثم جاء الحلنقي ووردي ليمنحا الخريف وجهاً آخر، وجه الشوق والحنين في (هجرة عصافير الخريف)، مؤكدين أن المطر يبتسم للفلاح، ويبكي مع العاشق، ويواسي الغريب.

لقد أصبح الخريف جزءًا من الهوية الثقافية السودانية، ومدرسة تعلم منها الشعراء صناعة الصورة، والملحنون صناعة النغم، والمغنون كيف يشبه الصوت انهمار المطر وهدير السحاب

واليوم، ونحن نستقبل خريفًا جديدًا بعد أعوام أثقلتها الحرب، لا ننتظر المطر ليخضر العشب وحده، بل ليغسل ذاكرة المدن من الخراب، ويعيد للنيل صفاءه، وللقرى ضحكاتها، وللحقول سنابلها. ونرجو أن تكون أمطار هذا العام أمطار تطهير وتجدد، تمحو آثار العدوان، وتعيد للأرض سيرتها الأولى

إني من منصتي أنظر حيث أرى… أن المطر لا يعرف الكراهية… إنه يعرف كيف يغسل، والأرض لا تحفظ آثار الأقدام طويلًا… لكنها تحفظ البذور ،أما السودان، فمهما طال عليه الألم، سيظل يكتب أول سطر من تاريخه كل عام بقطرة مطر، ويختم آخر سطر منه بأملٍ أخضر لا يموت .

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.