صدى الحقيقة

علي شمو.. سبعة عقود في صناعة الوعي وتوثيق ذاكرة السودان

علي شمو.. سبعة عقود في صناعة الوعي وتوثيق ذاكرة السودان
وثائقيات
30 Jun 2026 👁 335
متابعات : صدي الحقيقة
شارك الخبر:

البروفيسور علي محمد شمو، قامة وطنية استثنائية جمعت بين الفكر والثقافة والإعلام والعمل العام، وظل حاضراً في وجدان السودانيين لأكثر من سبعة عقود؛ فهو أحد الآباء المؤسسين للإعلام السوداني الحديث، وشاهدٌ على أهم محطات السودان الوطنية، وصانعٌ لجزءٍ أصيل من ذاكرته السمعية والبصرية.

فمن الإذاعة إلى التلفزيون، ومن قاعات التعليم إلى مواقع صناعة القرار، ظل علي شمو نموذجاً للإعلامي المثقف والإداري المبدع والوطني المخلص، وأسهم في تأسيس مؤسسات إعلامية راسخة، وتخريج أجيال من الإعلاميين، وتوثيق أحداث شكلت وجدان الأمة السودانية.

في هذه المساحة نقترب من سيرته الحافلة بالعطاء، لا باعتباره شخصية إعلامية فحسب، وإنما بوصفه أحد الرموز الوطنية التي ارتبط اسمها بتاريخ السودان الحديث، وسجلت حضوراً استثنائياً في مسيرة الوعي والثقافة والإعلام.

ولد البروفيسور علي محمد شمو في 25 سبتمبر 1932 وسط أسرة عرفت بالعلم والدين، وهو ما انعكس مبكراً على شخصيته وصقل اهتمامه باللغة العربية والعلوم الإسلامية. تلقى تعليمه الأولي بمدينة النهود بغرب كردفان، قبل أن ينتقل إلى أم درمان حيث واصل دراسته بالمعهد العلمي، الذي كان آنذاك أحد أهم مؤسسات التعليم في السودان.

ولم تتوقف رحلته العلمية عند حدود السودان، إذ شد الرحال إلى مصر والتحق بجامعة الأزهر الشريف، حيث درس الشريعة والقانون، قبل أن يواصل مسيرته الأكاديمية بالحصول على دبلومات متخصصة في التربية وعلم النفس والقانون المقارن، ثم أكمل دراساته العليا في الولايات المتحدة الأمريكية، لينال مؤهلات أكاديمية رفيعة توجها لاحقاً بالحصول على درجة الأستاذية "البروفيسور".

البداية من القاهرة

كانت القاهرة المحطة الأولى في مسيرته الإعلامية، حيث عمل بإذاعة "ركن السودان" التابعة للإذاعة المصرية، وهناك برزت موهبته الإذاعية وقدرته الفائقة على الإعداد والتقديم وصناعة المحتوى. وخلال تلك الفترة نسج علاقات واسعة مع رموز الفكر والسياسة والفن في مصر والعالم العربي، الأمر الذي أسهم في توسيع آفاقه المهنية والثقافية.

وفي فبراير 1954 بدأ ارتباطه الرسمي بالإذاعة السودانية، ليصبح لاحقاً أحد أبرز الأسماء التي ارتبطت بتاريخها ونهضتها وتطورها. ومنذ ذلك التاريخ ظل علي شمو جزءاً من مسيرة الإعلام السوداني الحديثة، مشاركاً في صناعة أبرز محطاتها التاريخية.

شاهد على الاستقلال وصانع للحدث

يُعد علي شمو من الإعلاميين القلائل الذين ارتبطت أسماؤهم بلحظات مفصلية في تاريخ السودان. فقد شارك في نقل احتفالات استقلال السودان ورفع العلم في الأول من يناير 1956، كما واكب جلاء القوات البريطانية وسجل العديد من الأحداث الوطنية التي أصبحت جزءاً من أرشيف الدولة وذاكرتها.

ولم يكن مجرد ناقل للأحداث، بل كان أحد صناعها من خلال دوره في تطوير الأداء الإذاعي وإدخال أساليب حديثة في التغطية والإنتاج البرامجي.

الأب المؤسس للتلفزيون السوداني

في العام 1960 ابتعث إلى ألمانيا الغربية، ليصبح أول سوداني يتلقى تدريباً متخصصاً في مجال التلفزيون قبل قيام هذه المؤسسة في السودان. وعندما تقرر إنشاء التلفزيون السوداني كان شمو في مقدمة الفريق الذي وضع اللبنات الأولى للمشروع.

وفي ديسمبر 1963 انطلق البث التلفزيوني الرسمي، ليصبح علي شمو أول مدير للتلفزيون السوداني ورئيساً للجنة المكلفة بإنشائه، مسجلاً اسمه كأحد أهم المؤسسين لهذه المؤسسة الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في تشكيل الوعي السوداني لعقود طويلة.

وخلال فترة إدارته للتلفزيون، أجرى الحوار الشهير مع كوكب الشرق أم كلثوم أثناء زيارتها للسودان، وهو الحوار الذي ظل أحد أبرز المحطات في تاريخ الإعلام السوداني والعربي.

رائد في الإعلام والثقافة والفنون

لم يقتصر دور شمو على العمل الإداري، بل امتد إلى اكتشاف المواهب ودعم الحركة الفنية والثقافية. فقد أسهم في تقديم عدد من الفنانين الذين أصبحوا لاحقاً من أعمدة الغناء السوداني، كما كان له دور في إبراز الفنان محمد وردي في بداياته الفنية.

وقدم برنامج "حقيبة الفن" بعد الإعلامي صلاح محمد، كما أسهم في تطوير برامج الهواة التي خرجت عدداً من نجوم الساحة الفنية السودانية.

رياضي قبل أن يكون إعلامياً

بعيداً عن الإعلام، كانت للرياضة مساحة مهمة في حياة علي شمو. فقد مارس كرة القدم لاعباً في السودان ومصر، ولعب ضمن أشبال نادي الزمالك المصري، كما نشط في فرق المعهد العلمي واتحاد شمال السودان.

هذا الشغف بالرياضة قاده إلى تأسيس أول برنامج رياضي متخصص عبر إذاعة ركن السودان بالقاهرة، وهو البرنامج الذي حقق نجاحاً كبيراً حتى اقتبست فكرته الإذاعة المصرية وقدمت برنامجاً مشابهاً عبر شبكتها الرئيسية.

كما عمل ناقداً رياضياً وكاتباً صحفياً، وشارك في تأسيس رابطة النقاد الرياضيين بالسودان، وظل اسمه مرتبطاً بالحركة الرياضية والإعلام الرياضي لعقود.

مسؤول دولة وصانع تشريعات

بفضل خبراته المتراكمة، تولى شمو العديد من المناصب القيادية في الدولة، فعمل مديراً للتلفزيون، وكيلاً لوزارة الإعلام وهو في الخامسة والثلاثين من عمره، ليصبح أصغر وكيل وزارة في السودان آنذاك.

كما تقلد منصب وزير الإعلام في ثلاث حكومات مختلفة، وأسهم في تطوير التشريعات والسياسات الإعلامية، وشارك عام 1969 في تأسيس اتحاد إذاعات الدول العربية الذي انعقد بالخرطوم، وهو الاتحاد الذي أصبح لاحقاً أحد أهم المؤسسات الإعلامية العربية.

وفي مراحل لاحقة شغل منصب الأمين العام لمجلس الصحافة والمطبوعات، وواصل جهوده في تطوير العمل الإعلامي وترسيخ قيم المهنية والحرية والمسؤولية.

جوائز وتكريمات

حظي البروفيسور علي شمو بتقدير واسع داخل السودان وخارجه، ونال عدداً من الأوسمة والجوائز الرفيعة، من بينها وسام النيلين ووسام ابن السودان البار، إلى جانب تكريمات رسمية عديدة تقديراً لإسهاماته في خدمة الإعلام والثقافة والوطن.

كما اختير عضواً في مجلس أمناء المعهد الإذاعي الدولي، ونال ذهبية مهرجان براغ للتميز في الأداء التلفزيوني، وهو إنجاز وضع الإعلام السوداني في دائرة التقدير الدولي مبكراً.

إرث لا يغيب

ظل علي شمو طوال مسيرته المهنية مثالاً للإعلامي المثقف والإداري المحترف والوطني المخلص. جمع بين العلم والخبرة والتواضع، وظل مرجعاً للأجيال المتعاقبة من الإعلاميين والصحفيين والباحثين.

وعندما يُكتب تاريخ الإعلام السوداني الحديث، فإن اسم البروفيسور علي محمد شمو سيظل حاضراً بوصفه أحد الآباء المؤسسين الذين صنعوا مؤسسات الإعلام الوطنية، ووثقوا ذاكرة السودان، وأسهموا في بناء جسور التواصل بين الوطن ومحيطه العربي والأفريقي.

إنها سيرة رجل لم يكن مجرد إعلامي ناجح، بل مدرسة كاملة في المهنية والالتزام والعطاء، ورمزاً وطنياً ترك بصمة خالدة في وجدان السودان.

المصدر: صدى الحقيقة