في ظل التزايد المستمر للأمراض المزمنة، وانتشار المعلومات الصحية المضللة، أصبحت التغذية السليمة ركناً أساسياً في الوقاية والعلاج، ولم يعد الغذاء مجرد وسيلة لإشباع الجوع، بل أحد أهم مفاتيح الحفاظ على الصحة وتحسين جودة الحياة.
ومن هذا المنطلق، كرّست خبيرة التغذية السودانية هند بكري إبراهيم جانباً كبيراً من جهودها لنشر الوعي الغذائي عبر منصات التواصل الاجتماعي، مستندةً إلى تأهيل علمي وخبرة عملية، وهي تؤمن بأن المعلومة الصحيحة قد تُحدث فرقاً حقيقياً في حياة الناس.
في هذا الحوار، تتحدث عن رحلتها في التثقيف الصحي، وتفند أبرز المفاهيم الخاطئة حول التغذية، وتوضح كيف يمكن للغذاء أن يكون خط الدفاع الأول في مواجهة كثير من الأمراض.
مدخل تعريفي
من هي خبيرة التغذية هند بكري؟ وكيف بدأت الرحلة؟
أنا هند بكري إبراهيم، حاصلة على دبلوم التغذية العلاجية المتقدمة من دولة الإمارات العربية المتحدة، وأدرس حالياً بجامعة عين شمس.
مؤسِّسة شركة Onyx Food Solutions للبدائل الصحية، وعضو الجمعية المصرية الدولية للتغذية والسمنة.
وحاصلة على براءات اختراع مسجلة في السودان، في البدائل الصحية، وأعمل في مجال التثقيف الصحي ورفع وعي الناس بأهمية التغذية، وأؤمن بأن الغذاء ليس مجرد وسيلة للشبع، بل أداة حقيقية للوقاية والعلاج وتحسين جودة الحياة.
نشر الوعي الغذائي عبر وسائل التواصل المختلفة
كيف بدأت فكرة إنشاء مجموعات في مواقع التواصل الاجتماعي للتثقيف الغذائي الصحي؟
بدأت الفكرة بعد الحرب التي تشهدها البلاد، لأن أسئلة الناس بدأت تتكرر عن أماكن توفر الأدوية، وفي ذلك الوقت كانت الصيدليات وشركات الأدوية تخرج من الخدمة واحدة تلو الأخرى، وأصبح الناس لا يدرون ماذا يفعلون في ظل هذه الظروف الاستثنائية، خاصة مع ارتفاع السكر وانعدام الإنسولين. عندها أدركت حجم المعاناة التي تعيشها تلك الفئة من المجتمع السوداني، بالإضافة إلى المعلومات المغلوطة المنتشرة حول التغذية عموماً، وتغذية مريض السكري خصوصاً، ورأيت أن الناس بحاجة إلى مصدر علمي موثوق يجيب عن أسئلتهم بلغة بسيطة، فأنشأت مجموعات تثقيفية مجانية تجمع بين التوعية والإجابة عن الاستفسارات.
ما الذي دفعك إلى تخصيص جزء كبير من وقتك للرد على أسئلة الناس الصحية؟
لأنني أؤمن بأن نشر المعرفة الصحية رسالة قبل أن يكون مهنة، وأحياناً قد تمنع معلومة صحيحة تصل في الوقت المناسب مرضاً أو مضاعفات خطيرة.
كيف تقيمين حجم الوعي الغذائي والصحي داخل مجتمعنا السوداني اليوم؟
هناك تحسن ملحوظ، لكننا ما زلنا نعاني من انتشار الشائعات والوصفات غير العلمية، لذلك ما زلنا بحاجة إلى مزيد من التثقيف.
يحرص كثيرون على متابعة المنصات والمجموعات التي تهتم بالتثقيف الغذائي والصحي، ما الرسالة الأساسية التي تسعين إلى إيصالها من خلال هذه الوسائط؟
رسالتي أن الغذاء جزء أساسي من العلاج، وأن الوقاية تبدأ من المائدة والأطباق التي نضعها أمامنا كل يوم، وأن كل شخص يستطيع تحسين صحته إذا امتلك المعرفة الصحيحة، وأن العودة إلى الطبيعة هي السبيل للخروج من غالبية الأمراض المرتبطة بجودة ومشكلات الغذاء.
ما أكثر المفاهيم الصحية الخاطئة التي صادفتِها لدى الناس؟
أكثر المفاهيم الخاطئة أن كل ما هو طبيعي آمن، وأن الدواء وحده يكفي ولا حاجة إلى تعديل النظام الغذائي، وأن مريض السكري يمكنه تناول الفواكه بأي كمية باعتبارها سكراً طبيعياً، وأن الأمراض نهاية حتمية لأي شخص.
كيف تنجحين في تبسيط المعلومات بلغة يفهمها الجميع؟
أحرص على استخدام أمثلة من الحياة اليومية السودانية، وأبتعد عن المصطلحات الطبية المعقدة، حتى تصل المعلومة إلى جميع الناس، لأن المجموعات تضم مختلف أطياف المجتمع السوداني.
ما أهمية وجود أطباء من تخصصات مختلفة للرد على استفسارات الناس؟
الصحة منظومة متكاملة، ولا يستطيع تخصص واحد أن يجيب عن جميع الأسئلة، لذلك فإن وجود فريق متعدد التخصصات يمنح المريض رؤية أشمل وأكثر دقة، ولا غنى عن الطب والطبيب.
التغذية كخط دفاع أول ضد الأمراض

الغذاء ليس رفاهية.. بل خط الدفاع الأول ضد الأمراض.. وتغيير نمط الحياة ضروري للعلاج
هل يمكن أن يكون الغذاء وسيلة للوقاية قبل أن يصبح الإنسان مريضاً؟
بكل تأكيد، فكثير من الأمراض المزمنة يمكن تقليل خطر الإصابة بها عبر التغذية السليمة، والنشاط البدني، ونمط الحياة الصحي.
إلى أي مدى يمكن للتغذية أن تساعد في تحسين الحالة الصحية للمصابين بالأمراض المزمنة؟
التغذية أساس علاج الأمراض المزمنة، وأي محاولة لعلاجها بمعزل عن التغذية ستكون، للأسف، مجرد تخفيف للأعراض، وليس علاجاً لجذر المرض. وكثيرون يبحثون عن دواء دون أن يغيروا العادات التي سببت المرض من الأساس، وهذه ليست إلا مضيعة للوقت.
الأمراض الأكثر انتشاراً
كثيراً ما نسمع عن مرض مقاومة الإنسولين دون فهم ما المقصود به؟
من أكثر الأمراض انتشاراً مقاومة الإنسولين، ويعد بوابة رئيسية لدخول أغلب الأمراض إلى الجسم، وهو انخفاض استجابة الخلايا لهرمون الإنسولين، مما يجبر البنكرياس على إفراز كميات أكبر للحفاظ على مستوى السكر، وإذا لم تُعالج فقد تتطور إلى مرض السكري من النوع الثاني.
ما أبرز الأخطاء الغذائية التي تقود إليه؟
الإفراط في السكريات، والمشروبات الغازية، والدقيق الأبيض، وقلة الحركة، والسهر، وتجاهل الفيتامينات، وبالتحديد فيتامين (D).
ما أهم النصائح لمريض السكري؟
علاج السكري ليس في الدواء فقط، بل هو منظومة متكاملة تشمل: التغذية السليمة، والدواء، والرياضة، والنوم الجيد، والصيام، مع تنظيم الوجبات والمتابعة الدورية.
ارتفعت أيضاً نسبة الإصابة بأمراض ضغط الدم والدهون في الآونة الأخيرة.. هل هناك أسباب واضحة؟
ارتفعت بسبب الأغذية المصنعة، وكثرة الملح، وقلة النشاط البدني، والسمنة، والتوتر.
كما أن أسباب ارتفاع ضغط الدم كثيرة، منها ترسبات الكالسيوم على الأوعية الدموية بسبب مكملات الكالسيوم أو تناول فيتامين (D) بجرعات عالية لفترات طويلة دون استشارة طبيب، بالإضافة إلى خلل نسب الكوليسترول والدهون الثلاثية، مع التهابات الأوعية الدموية بسبب ارتفاع مقاومة الإنسولين، وكل هذه المشكلات مجتمعة مصدرها التغذية الخاطئة.
ما الأغذية التي يجب التركيز عليها لتقليل مخاطر الإصابة بالأمراض؟
الخضروات، والفواكه، والبقوليات بعد نقعها وباعتدال، والحبوب الكاملة، والمكسرات غير المملحة، والأسماك، وزيت الزيتون.
وما الأطعمة التي يجب الحد من تناولها أو تجنبها في غذائنا؟
السكر، والملح، والمقليات، والدهون المتحولة، واللحوم المصنعة، ومنتجات الدقيق الأبيض، والحليب البقري بسبب الأبحاث الأخيرة.
ما أبرز الأخطاء الغذائية التي تؤذي الكلى دون أن ينتبه إليها الناس؟
المسكنات أكثر ما يؤذي الكلى، إلى جانب الإفراط في تناول البروتين، وإهمال علاج التهابات المسالك البولية والحصوات، وحبس البول لفترات طويلة، وقلة شرب الماء.
البروتوكولات الغذائية
قدمتِ بروتوكولات غذائية لعدد من الأمراض والمرضى، كيف تُعَد هذه البروتوكولات؟
بعد دراسة التاريخ المرضي، والتحاليل، والأدوية، والعادات الغذائية، وليس بناءً على المرض فقط.
هل توجد وصفة واحدة للجميع؟
من الخطأ تعميم برنامج غذائي واحد على جميع المرضى، فلكل مريض برنامج غذائي مختلف، بناءً على بقية مشكلاته الصحية، وجنسه، وعمره، ووزنه.
ما أهمية إجراء التحاليل الطبية قبل البدء في أي نظام غذائي؟
التحاليل هي أساس التشخيص السليم، ويستطيع الطبيب من خلالها تشخيص المشكلة الصحية بدقة، وبناءً عليها يكون الدواء المناسب. لذلك، يبدأ العلاج الصحيح من المعمل قبل الطبيب، لأن أي نتيجة تحليل خاطئة ستُبنى عليها وصفة دوائية غير صحيحة.
المكملات الغذائية

الصحة لا تبدأ من الصيدلية، بل من "الطبق الذي نضعه أمامنا كل يوم"
ما أهمية المكملات الغذائية، وما خطورة تناولها دون استشارة؟
المكملات مهمة جداً، وهي إما معادن، أو أحماض أمينية، أو فيتامينات. فالجسم، مثلاً، لا يصنع المعادن، وللحصول عليها لا بد من تناولها من الغذاء أو من المكملات عند الحاجة. أما الفيتامينات، فيحصل الجسم عليها من الطعام، ولكن إذا كانت هناك مشكلات سوء تغذية أو سوء امتصاص، فلا يوجد حل غير المكملات. أما بالنسبة للأحماض الأمينية، فالجسم يحتاج إلى (20) حمضاً أمينياً يستخدمها لبناء البروتينات، منها (9) أحماض أساسية لا يستطيع الجسم تصنيعها، لذلك في حالة النقص تُؤخذ من المكملات.
ولكن لا بد أن يكون استخدامها تحت إشراف متخصص، لأن المستهلك العادي لن يستطيع التمييز بين الصيغ الصناعية والصيغ الطبيعية، وتجارة المكملات أصبحت تجارة رائجة، وللأسف بعض الشركات لا تراعي الضوابط المنصوص عليها في التصنيع.
عموماً، للمكملات فائدة كبيرة إذا تم تناولها بالطريقة الصحيحة، وقد تصبح مضرة أو غير مفيدة إذا تم استهلاكها بعشوائية، وهنا تصبح إضاعةً للوقت والمال.
ومتى يحتاجها الإنسان؟
عند وجود نقص مثبت بالتحاليل، أو في حالات خاصة يحددها الطبيب.
ما فوائد أو مخاطر الإفراط في تناول فيتامين (C)؟
ليس صحيحاً أن زيادته تعني فائدة أكبر، فالإفراط فيه قد يسبب اضطرابات هضمية، وقد يزيد خطر الإصابة بحصوات الكلى لدى بعض الأشخاص، لكنه ليس له سمية، وما زاد على حاجة الجسم يخرج مع البول، وقد وهبتنا الطبيعة أكبر مصادره، مثل التبلدي والجوافة.
نظام "الطيبات"
يدور جدل كبير حول "نظام الطيبات".. ما رأيك فيه؟
رأيي الشخصي أنه يحتوي على جوانب إيجابية كثيرة، لأنه يعمل على تنقية الجسم من السموم وإراحة القولون، لكن تعميمه على الجميع أمرٌ ليس علمياً.
ما الرسالة التي توجهينها للناس حول اختيار نظام غذائي مناسب لهم؟
رسالتي هي ألا ينتقل الناس بين الحميات اعتماداً على وسائل التواصل، بل وفق تقييم صحي فردي، فأجسامنا ليست نسخاً متطابقة، حتى بين أفراد الأسرة الواحدة، فما يناسبني قد لا يناسب غيري.
العادات الغذائية وتعدد الأصناف

مقاومة الإنسولين بوابة الأمراض المزمنة.. و"التغذية" مفتاح الوقاية
تعدد أطباق الطعام في الوجبة الواحدة.. هل هو مفيد؟ وهل يمد أجسادنا بما تحتاجه من عناصر غذائية؟
ثقافة تعدد الأطباق في مائدتنا السودانية هي ثقافة نفسية فقط، وليست غذائية، فكلما كانت الأصناف قليلة، سهل على المعدة التعامل معها، وكلما كان الطعام سهل الهضم، كان سهل الإخراج.
فطبق من النشويات، وطبق من الخضروات، وطبق من البروتين، مع مراعاة عدم الشبع الشديد، يكفي تماماً.
كيف يمكن للأسر السودانية، رغم الظروف الاقتصادية الحالية، أن تبني نمطاً غذائياً صحياً؟
رغم الظروف الاقتصادية الاستثنائية الحالية، تستطيع الأسرة السودانية تحسين غذائها بالاعتماد على الأغذية المحلية، مثل خبز الحبوب الكاملة، واستهلاك الدخن والذرة في جميع المخبوزات، واستبدال المشروبات الغازية والمحلاة بالعصائر البلدية، وتناول الخضروات الموسمية، والامتناع عن الأغذية المصنعة، واستخدام البصل المجفف أو المحمص في الفرن بدلاً من قليه في الزيت الغزير، واستخدام الطماطم بدلاً من الصلصة المعلبة، كما يمكن لربة المنزل إعداد مرقة الطعام في المنزل بدلاً من المنتجات المصنعة.
رسائل توعوية
إذا سأل شخص بعفوية: ما النظام الغذائي المناسب لحالتي؟
استمع إلى جسدك، ولا تتجاهل أي إشارة يرسلها إليك، لأن الأنظمة الغذائية تُبنى على الاحتياجات الفسيولوجية.
رسالتك لمرضى الأمراض المزمنة؟
لا تجعلوا العلاج دواءً فقط، بل أسلوب حياة، فالغذاء، والحركة، والنوم، عوامل لا تقل أهمية عن الدواء.
رسالتك للشباب؟
الأمراض المزمنة تبدأ بصمت، والعادات التي تبنونها اليوم هي التي تحدد صحتكم مستقبلاً.
قطاع التغذية في السودان

ما واقع علم التغذية وأخصائيي التغذية في السودان في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، وإلى أي مدى استطاعوا الحفاظ على دورهم المهني رغم هذه الأوضاع؟
شهد علم التغذية في السودان خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً، تماشياً مع الاتجاهات العالمية، مع تزايد الاهتمام بالتغذية العلاجية والوقاية من الأمراض.
وأسهم عدد من أخصائيي التغذية والأطباء السودانيين في نشر الوعي الصحي وتطوير الممارسة المهنية القائمة على الأدلة.
ومن أبرزهم الدكتور عبد المنعم قاسم، الذي طرح مبكراً مفاهيم غذائية كانت تُعد غير تقليدية آنذاك، قبل أن تحظى باهتمام أوسع في الإرشادات العالمية، مما جعله من الأسماء البارزة والمثيرة للنقاش في مجال التغذية. فقد تبنى فكرة عكس الهرم الغذائي قبل ما الـ American Guidelines تعكسه بسنوات عديدة، كما تمكن من علاج حالات من السكر النوع الأول ذات الجذر المرتبط بالتغذية وهذه الحالات توقفت عن تناول الإنسولين وهذه الحالات مثبتة بالتحاليل على صفحته الشخصية، وفي تقديري أصبح علامة فارقة في علم التغذية العلاجية في السودان.
ختاماً..
إذا طلبنا منك تلخيص فلسفتك في التغذية والصحة في بضع كلمات، ماذا تقولين؟
هدفي أن أجعل التغذية العلاجية علماً يُترجم إلى غذاء حقيقي، وأن أنشر محتوى يساعد الناس على استعادة صحتهم، ويعينهم على العيش بجودة حياة أفضل، وإعادة الغذاء إلى مكانه الصحيح ليكون وسيلةً للوقاية، وداعماً للعلاج، وتحسين جودة الحياة من خلال العلم والغذاء الوظيفي، ونشر الوعي بالتغذية المبنية على الأدلة العلمية، لتصحيح المفاهيم الخاطئة حول التغذية، ومساعدة مرضى الأمراض المزمنة، وخاصة مرضى السكري، على تحسين صحتهم بالغذاء، بالإضافة إلى تطوير منتجات غذائية وظيفية آمنة من خلال Onyx Food Solutions لتكون بدائل صحية آمنة، والانتقال من ثقافة "السعرات والحرمان" إلى ثقافة التغذية دون حرمان، ورفع جودة الحياة والوقاية من الأمراض المزمنة عبر حلول غذائية عملية ومستدامة.