55 عاماً على السؤال الذي لم يُجب عنه
قراءة توثيقية في واحدة من أكثر أحداث السودان إثارةً للجدل
تمر هذه الأيام الذكرى الخامسة والخمسون لانقلاب الرائد الراحل هاشم العطا، الذي وقع ظهر الاثنين 19 يوليو 1971، في واحدة من أكثر اللحظات اضطراباً ودموية في تاريخ السودان الحديث.
كان السودانيون، عند نحو الثانية والنصف ظهراً، يستعدون لتناول وجبة الغداء، في ذلك التوقيت الذي اعتادت عليه الأسر السودانية آنذاك، عندما قطعت الإذاعة السودانية برامجها المعتادة، وأعلنت أن هناك بياناً مهماً سيصدر عن الرائد هاشم العطا، فيما تخللت الإعلان المارشات العسكرية التي ارتبط سماعها في ذاكرة السودانيين بوقوع الانقلابات.
في ذلك اليوم، بدأت واحدة من أكثر التجارب السياسية والعسكرية إثارة للجدل في تاريخ السودان. سيطر الانقلابيون على عدد من المواقع الحيوية في الخرطوم، وأُعلن قيام سلطة جديدة، بينما أُلقي القبض على الرئيس جعفر محمد نميري وعدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة وكبار الضباط.
لكن الانقلاب لم يستمر طويلاً. وبعد ثلاثة أيام من الصراع العسكري والسياسي، استعادت القوات الموالية لنميري السيطرة على العاصمة في 22 يوليو، وعاد الرئيس إلى السلطة.
وخلال تلك الأيام الأربعة، شهد السودان أحداثاً دامية تركت آثاراً عميقة في ذاكرته السياسية والوطنية، كان أكثرها إثارة للجدل ما عُرف لاحقاً بـ*مجزرة بيت الضيافة*، التي تحولت مع مرور الزمن إلى واحدة من أكثر القضايا غموضاً في التاريخ السياسي السوداني الحديث.
فبينما تتفق معظم الروايات على أن عدداً من الضباط المحتجزين داخل بيت الضيافة قُتلوا في الساعات الأخيرة من عمر الانقلاب، فإن الخلاف ظل قائماً حول كيفية وقوع الحادث، والجهة التي تتحمل المسؤولية المباشرة عنه، وما إذا كان القتل نتيجة قرار متعمد، أم نتيجة للفوضى والاشتباكات التي صاحبت انهيار الانقلاب، أم أن طرفاً ثالثاً تدخل في اللحظة الحاسمة.
ومنذ ذلك اليوم، ظل سؤال واحد يتردد عبر الأجيال:
*من قتل ضباط بيت الضيافة؟*
خلفية سياسية مضطربة
في 25 مايو 1969، وصل العقيد جعفر محمد نميري إلى السلطة عبر انقلاب عسكري أنهى النظام البرلماني الثاني في السودان، وأعلن قيام نظام مايو.
وخلال السنوات الأولى، وجد النظام الجديد دعماً من عدد من القوى السياسية، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي السوداني وقوى يسارية وقومية، إذ رأت بعض هذه القوى في النظام الجديد فرصة لإحداث تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية واسعة.
لكن التحالف لم يستمر طويلاً.
بدأت الخلافات تتصاعد حول طبيعة السلطة، ودور الأحزاب السياسية، وحدود مشاركة القوى السياسية في إدارة الدولة. ومع مرور الوقت، اتخذ نميري إجراءات لتقليص نفوذ الحزب الشيوعي داخل مؤسسات الدولة والنقابات، لتدخل العلاقة بين الطرفين مرحلة من الصدام السياسي المتزايد.
وانعكست هذه التوترات على المؤسسة العسكرية نفسها، التي كانت تضم ضباطاً ينتمون إلى اتجاهات سياسية وفكرية مختلفة.
وبحلول عام 1971، كانت العلاقة بين نظام مايو والحزب الشيوعي والقوى اليسارية قد وصلت إلى مرحلة شديدة التعقيد، وسط صراع على النفوذ داخل الدولة والجيش، ومخاوف متزايدة من انفجار المواجهة.
وفي هذا المناخ المضطرب، جاءت محاولة 19 يوليو.
انقلاب 19 يوليو 1971
في صباح الاثنين 19 يوليو 1971، قاد الرائد هاشم العطا وعدد من الضباط حركة عسكرية تمكنت خلال ساعات من السيطرة على القيادة العامة وعدد من المواقع الحيوية في الخرطوم، كما أُلقي القبض على الرئيس جعفر نميري وعدد من كبار المسؤولين والضباط.
وأعلنت الإذاعة السودانية قيام الحركة الجديدة، فيما بدأت القيادة الجديدة إدارة شؤون الدولة.
لكن السيطرة لم تكن كاملة.
فقد واجه الانقلاب مقاومة داخل عدد من الوحدات العسكرية، وظلت موازين القوى غير مستقرة، بينما بدأت القوات الموالية لنميري في إعادة تنظيم صفوفها واستعادة المبادرة.
ومع مرور الساعات، تحولت الخرطوم إلى مسرح لصراع عسكري مفتوح، انتهى في 22 يوليو بانهيار الانقلاب وعودة نميري إلى السلطة.
وفي خضم هذه الأحداث وقعت المأساة التي ستظل مرتبطة باسم بيت الضيافة.
بيت الضيافة... المكان الذي تحول إلى مسرح للمأساة
كان بيت الضيافة أحد المباني الرسمية التابعة لرئاسة الجمهورية، وقد أُعد لاستقبال رؤساء الدول والوفود الرسمية.
وبسبب موقعه القريب من القصر الجمهوري والقيادة العامة، استخدم المبنى خلال انقلاب 19 يوليو مكاناً لاحتجاز عدد من كبار ضباط القوات المسلحة الذين ألقي القبض عليهم في الساعات الأولى للحركة.
وتشير المصادر إلى أن بين المحتجزين ضباطاً كباراً وأعضاء سابقين في مجلس قيادة الثورة وقادة عسكريين، ظلوا داخل المبنى حتى الساعات الأخيرة من الانقلاب.
غير أن تفاصيل عدد المحتجزين وأسماء جميع الموجودين داخل بيت الضيافة في تلك اللحظات تختلف من مصدر إلى آخر، وهو ما يمثل أحد جوانب التعقيد في إعادة بناء المشهد التاريخي للحادثة.
المؤكد أن هؤلاء الضباط كانوا في وضع الاحتجاز، وأن عدداً منهم فقد حياته داخل المبنى في 22 يوليو.
أما ما حدث تحديداً في الدقائق التي سبقت إطلاق النار، وما جرى داخل المبنى وأمامه، ومن أصدر الأوامر، ومن نفذها، فتلك هي الأسئلة التي لم تجد إجابة تحظى بإجماع تاريخي حتى اليوم.
الساعات الأخيرة
مع فجر 22 يوليو، بدأت موازين القوى العسكرية تميل بوضوح لمصلحة القوات الموالية لنميري.
استعادت تلك القوات عدداً من المواقع التي سيطر عليها الانقلابيون، وأصبحت منطقة القصر الجمهوري والقيادة العامة وما حولها مسرحاً لاشتباكات وتحركات عسكرية متسارعة.
وفي ظل هذه الفوضى، كان الضباط المحتجزون داخل بيت الضيافة يعيشون ساعاتهم الأخيرة وسط أصوات إطلاق النار والانفجارات التي كانت تدور في محيط المبنى.
وتشير شهادات الناجين إلى أن المحتجزين كانوا يدركون أن معركة تدور خارج المبنى، لكنهم لم يكونوا يملكون صورة كاملة عن تطوراتها.
ثم وقع إطلاق النار.
وفي وقت قصير، سقط عدد من الضباط قتلى، فيما نجا آخرون.
ومنذ تلك اللحظة، أصبح بيت الضيافة أحد أكثر الأماكن حضوراً في الذاكرة السياسية السودانية.
ماذا حدث في بيت الضيافة؟
تتفق معظم الروايات على وقوع عملية قتل داخل المبنى أدت إلى مقتل عدد من الضباط المحتجزين.
لكن الاتفاق ينتهي تقريباً عند هذه النقطة.
فالرواية الرسمية التي أعقبت عودة نميري إلى السلطة حملت عناصر الانقلاب مسؤولية قتل الضباط، بينما رفض الحزب الشيوعي السوداني هذه الرواية ونفى أن يكون قد أصدر أمراً بتصفيتهم.
وفي العقود التالية، ظهرت دراسات وشهادات أخرى قدمت تفسيرات مختلفة، بعضها تحدث عن إطلاق نار مباشر داخل المبنى، وبعضها ركز على القصف المدفعي الذي تعرض له بيت الضيافة، فيما ذهب باحثون إلى احتمال تدخل قوة أخرى في المشهد.
وهكذا، أصبح الحادث ساحة لتعدد الروايات، ولكل رواية أدلتها وشهاداتها، وفي المقابل نقاط ضعف وأسئلة لم تجد إجابات نهائية.
الضحايا
أسفرت الحادثة عن مقتل عدد من كبار ضباط القوات المسلحة الذين كانوا محتجزين داخل بيت الضيافة.
وكانت وفاتهم واحدة من أكثر نتائج انقلاب 19 يوليو مأساوية، ليس فقط بسبب مكانتهم العسكرية، وإنما لأنهم كانوا محتجزين داخل المبنى أثناء وقوع الحادث.
وقد تحول الضباط الذين قتلوا إلى رموز للحادثة، وأصبحت أسماؤهم وصورهم جزءاً من الذاكرة المرتبطة بأحداث يوليو 1971.
لكن المأساة لم تتوقف عند الضحايا الذين سقطوا في بيت الضيافة.
فبعد انهيار الانقلاب، بدأت حملة واسعة من الاعتقالات والمحاكمات والإعدامات، طالت ضباطاً وسياسيين وقيادات مدنية، وأصبح انقلاب 19 يوليو نقطة تحول دامية في تاريخ السودان السياسي.
شهادات الناجين
تمثل شهادات الناجين من بيت الضيافة واحدة من أهم المصادر التي يعتمد عليها الباحثون في محاولة إعادة بناء ما حدث.
وتلتقي بعض هذه الشهادات في نقاط أساسية، من بينها أن الضباط كانوا محتجزين داخل المبنى، وأن إطلاق النار وقع بصورة مفاجئة، وأن عدداً كبيراً من الموجودين سقطوا خلال وقت قصير، بينما تمكن عدد محدود من النجاة.
لكن هذه الشهادات لا تتطابق في جميع التفاصيل.
فهناك اختلافات حول عدد المسلحين الذين دخلوا إلى المبنى، وطبيعة القوة الموجودة في المكان، وتسلسل الأحداث، وما إذا كان القتل قد تم بأوامر مباشرة أو في سياق الفوضى التي صاحبت انهيار الانقلاب.
ولهذا، فإن شهادات الناجين، رغم أهميتها البالغة، تحتاج إلى مقارنتها بالوثائق العسكرية والسياسية وبشهادات الأطراف الأخرى، للوصول إلى صورة أكثر اكتمالاً.
الرواية الرسمية
بعد استعادة نميري السلطة، تبنت الدولة رواية حملت عناصر الانقلاب مسؤولية مقتل الضباط المحتجزين.
وأصبحت حادثة بيت الضيافة جزءاً رئيسياً من الخطاب السياسي الذي أعقب فشل الانقلاب، كما ارتبطت بالمحاكمات العسكرية التي طالت قادة الحركة والضباط المشاركين فيها.
وفي سياق ذلك، اكتسبت المجزرة أهمية سياسية كبيرة، إذ أصبحت أحد أبرز الأحداث التي استُخدمت في تفسير حجم الإجراءات الانتقامية التي اتخذها نظام مايو ضد خصومه العسكريين والسياسيين.
غير أن هذه الرواية لم تغلق باب الجدل.
رواية الحزب الشيوعي السوداني
رفض الحزب الشيوعي السوداني تحميله المسؤولية عن قتل الضباط، ونفى أن تكون قيادته قد أصدرت أمراً بتصفيتهم.
ورأى الحزب أن حادثة بيت الضيافة استُخدمت لاحقاً لتبرير حملة واسعة ضد قياداته وكوادره، انتهت بإعدام عدد من أبرز رموزه، بينهم سكرتيره العام عبد الخالق محجوب، والقيادي العمالي الشفيع أحمد الشيخ، والقيادي الجنوبي جوزيف قرنق.
وظلت هذه الرواية جزءاً أساسياً من الجدل التاريخي والسياسي حول أحداث يوليو، خصوصاً مع ظهور دراسات وشهادات لاحقة شككت في الرواية الرسمية أو طرحت احتمالات أخرى.
رواية القصف والطرف الثالث
من بين أبرز التفسيرات التي ظهرت في الدراسات اللاحقة القول إن الضباط لم يقتلوا جميعاً نتيجة إطلاق نار مباشر من حراسهم، وإنما كان القصف الذي تعرض له المبنى عاملاً رئيسياً في سقوط عدد من الضحايا.
وذهب بعض الباحثين إلى أبعد من ذلك، بطرح فرضية *«القوة الثالثة»*، التي تفترض أن طرفاً آخر ربما تدخل في اللحظة الحاسمة، مستفيداً من الفوضى التي صاحبت الصراع بين القوات الموالية لنميري والقوات المرتبطة بالانقلاب.
وبحسب هذا التصور، فإن الهدف ربما كان التخلص من الطرفين المتصارعين معاً، وليس فقط تصفية المحتجزين.
لكن هذه الفرضية، مثل غيرها، لم تحظَ بإجماع الباحثين، ولا تزال بحاجة إلى أدلة وثائقية قاطعة تثبتها أو تنفيها.
ماذا تقول الدراسات والكتب؟
أثارت مجزرة بيت الضيافة اهتمام عدد من المؤرخين والباحثين والصحفيين، الذين حاولوا الاقتراب من الحقيقة من خلال الكتب والدراسات والشهادات.
ومن أبرز الأعمال التي تناولت القضية:
*«الحزب الشيوعي السوداني: نحروه أم انتحر؟»* للصحفي فؤاد مطر، الذي تناول الصراع داخل الحزب وعلاقته بانقلاب يوليو وتداعياته.
وكتاب المؤرخ محمد سعيد القدال *«معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني»*، الذي قدم قراءة للحادث ضمن سياق الصراع السياسي والتنظيمي والعسكري.
كما تناول الدكتور عبد الماجد بوب أحداث 19 يوليو في كتابه *«19 يوليو: إضاءات ووثائق»*، وقدم قراءات تستند إلى الوثائق والشهادات حول تفاصيل الانقلاب ومجزرة بيت الضيافة.
أما الدكتور حسن الجزولي، ففي كتابه *«عنف البادية: وقائع الأيام الأخيرة لعبد الخالق محجوب»*، تناول جانباً مهماً من أحداث تلك الفترة، بما في ذلك مواقف الحزب والقيادات الشيوعية من الحادث.
وقدم الدكتور عبد الله علي إبراهيم قراءة خاصة في كتابه *«مذبحة بيت الضيافة 1971م: التحقيق الذي يكذب الغطاس»*، وطرح فيه فرضية «القوة الثالثة»، داعياً إلى تجاوز الروايات الأحادية وإعادة النظر في القضية بمنهج نقدي.
كما تضمنت المذكرات والشهادات روايات لضباط عايشوا تلك الفترة، من بينها شهادة الرائد عبد الله الصافي، وما ورد في كتاب *«سنوات نميري»* للدكتور محمود قلندر، فضلاً عن إفادات تلفزيونية، من بينها شهادة المقدم الراحل صلاح عبد العال مبروك.
وتشكل هذه الأعمال، مجتمعة، مادة مهمة لأي محاولة جادة لإعادة قراءة الحادث، لكنها في الوقت نفسه تكشف مدى اتساع الفجوة بين الروايات.
لجنة التحقيق... السؤال الذي بقي مفتوحاً
من أكثر الجوانب إثارة للجدل في قضية بيت الضيافة عدم نشر نتائج تحقيق شامل ومستقل بصورة تضع حداً للخلاف.
فقد تشكلت لجنة للتحقيق برئاسة القاضي حسن علوب، إلا أن نتائج التحقيق لم تُنشر كاملة، بحسب ما تذكره بعض المصادر والشهادات.
وأدى غياب التقرير الكامل إلى ترك فراغ وثائقي كبير، سمح بظهور روايات متعددة، بعضها يستند إلى شهادات شخصية، وبعضها إلى مذكرات سياسية، وأخرى إلى تحليلات عسكرية.
ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت المجزرة قد وقعت، فهذا أمر لا خلاف عليه، وإنما يتعلق بمن أصدر الأمر، ومن نفذه، وما إذا كانت هناك قوة أخرى شاركت في الأحداث، وما الدور الذي لعبه القصف والاشتباكات التي شهدتها المنطقة في سقوط الضحايا.
المحاكمات والإعدامات
بعد فشل انقلاب 19 يوليو وعودة نميري إلى السلطة، بدأت محاكمات واسعة للضباط والسياسيين المرتبطين بالحركة.
وأصدرت المحاكم العسكرية أحكاماً بالإعدام على عدد من الضباط، كما طالت الإعدامات قيادات سياسية ومدنية بارزة، من بينها عبد الخالق محجوب، والشفيع أحمد الشيخ، وجوزيف قرنق.
وأثارت تلك المحاكمات جدلاً واسعاً بسبب سرعتها وطبيعة الأحكام الصادرة عنها، كما ظلت مجزرة بيت الضيافة حاضرة في خلفية تلك الإجراءات.
وقد تركت الإعدامات آثاراً عميقة على الحياة السياسية السودانية، وأسهمت في إنهاء الوجود العلني للحزب الشيوعي داخل مؤسسات الدولة، ورسخت في الوقت نفسه سلطة نميري.
من المستفيد من المجزرة؟
ربما يكون هذا السؤال من أكثر الأسئلة تعقيداً.
فالمؤكد أن مجزرة بيت الضيافة جاءت في لحظة كان فيها الصراع على السلطة في السودان قد بلغ ذروته.
وبعد وقوعها، استفاد نظام مايو سياسياً من تصوير الانقلاب باعتباره حركة دموية ارتكبت جرائم ضد ضباط الجيش، وهو ما وفر أرضية لتبرير إجراءات قاسية ضد المشاركين فيه وخصوم النظام.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن من استفاد من الحادث هو من نفذه.
وهنا تكمن أهمية التحقيق التاريخي الموضوعي.
فالمستفيد السياسي ليس بالضرورة هو الفاعل، كما أن وجود طرف ثالث يظل فرضية تحتاج إلى أدلة، وليس مجرد احتمال يمكن تحويله إلى حقيقة.
لماذا بقيت الحقيقة غائبة؟
ربما يمكن تفسير استمرار الغموض حول بيت الضيافة بمجموعة من العوامل المتداخلة.
أولها أن الحادث وقع في ظل انهيار نظام سياسي وصراع عسكري مسلح، وهي ظروف تجعل جمع الأدلة وتوثيق الأحداث أكثر صعوبة.
وثانيها أن أطرافاً عديدة كانت تملك روايات متعارضة، وكل طرف كان ينظر إلى الأحداث من موقعه السياسي والعسكري.
وثالثها أن جزءاً مهماً من الوثائق المتعلقة بالمرحلة لم يكن متاحاً للباحثين، بينما ظلت بعض الشهادات شخصية وغير قابلة للتحقق الكامل.
أما العامل الرابع، فيتمثل في أن حادثة بيت الضيافة أصبحت جزءاً من الصراع السياسي نفسه، فتحول البحث عن الحقيقة إلى معركة بين روايات سياسية متنافسة.
ولهذا، ربما لم يكن الغموض ناتجاً عن غياب الأدلة فقط، بل عن غياب بيئة تاريخية وسياسية تسمح بفحص الأدلة بصورة مستقلة.
55 عاماً من السؤال
بعد مرور خمسة وخمسين عاماً على أحداث يوليو 1971، لا تزال مجزرة بيت الضيافة واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل في التاريخ السوداني.
فالمجزرة وقعت، والضحايا سقطوا، والناجون شهدوا، والكتب والدراسات صدرت، لكن السؤال الأساسي لا يزال قائماً:
*من قتل ضباط بيت الضيافة؟*
هل كانت المجزرة نتيجة قرار مدبر من منفذي الانقلاب؟
أم أنها وقعت في ظل الفوضى والاشتباكات التي رافقت انهيار الحركة؟
هل كان القصف المدفعي سبباً رئيسياً في سقوط الضحايا؟
هل دخلت قوة أخرى إلى المشهد؟
وهل كانت هناك «قوة ثالثة» استغلت الصراع لتصفية الطرفين؟
أم أن الحقيقة أكثر تعقيداً من كل هذه الروايات؟
حتى الآن، لا توجد إجابة تحظى بإجماع تاريخي.
قراءة في دلالات الحدث
لم تكن مجزرة بيت الضيافة مجرد حادثة عسكرية وقعت أثناء انقلاب فاشل، بل كانت لحظة فارقة كشفت حجم الثمن الذي يمكن أن تدفعه الدول عندما يتحول الصراع السياسي إلى مواجهة مسلحة داخل مؤسساتها الوطنية.
فقد أظهرت أحداث يوليو 1971 أن الانقسام داخل القوات المسلحة، وتغليب الولاءات السياسية على الانضباط المؤسسي، يمكن أن يقود إلى نتائج مأساوية لا تقتصر آثارها على أطراف الصراع، وإنما تمتد إلى الدولة والمجتمع والأجيال التي تأتي بعده.
وكان بيت الضيافة واحداً من أكثر مشاهد تلك المأساة قسوة.
فأياً تكن الجهة التي تتحمل المسؤولية النهائية عن المجزرة، فإن الحقيقة التي لا خلاف عليها هي أن السودان دفع ثمناً باهظاً لصراع سياسي تحول إلى مواجهة مسلحة، وأن ضباطاً سودانيين فقدوا حياتهم في ظروف لا تزال تفاصيلها محل جدل بعد أكثر من نصف قرن.
كما تكشف القضية أهمية التوثيق التاريخي المهني. فغياب الوثائق الكاملة، وعدم نشر نتائج التحقيقات، وتضارب الشهادات، كلها عوامل تجعل الذاكرة الوطنية عرضة لتعدد الروايات، وقد تحول الأحداث التاريخية إلى أدوات للصراع السياسي بدلاً من أن تكون دروساً للأجيال.
ومن هنا، فإن الوصول إلى الحقيقة لا ينبغي أن يكون هدفه الانتقام من طرف أو تبرئة طرف آخر، وإنما فهم ما حدث كما وقع، بعيداً عن الحسابات السياسية.
إن فتح هذا الملف من جديد، إذا توفرت الظروف المناسبة، يتطلب لجنة تاريخية مستقلة من المؤرخين والقانونيين والخبراء العسكريين، مهمتها مراجعة الوثائق والشهادات المتاحة، والاستماع إلى الناجين وأسر الضحايا، ومقارنة الروايات، والبحث في الأرشيف السوداني والأجنبي، وصولاً إلى أقرب صورة ممكنة للحقيقة.
فالحقيقة التاريخية لا تسقط بالتقادم، والضحايا لا ينبغي أن يتحولوا إلى مجرد أرقام في سجلات الماضي.
وبالنسبة للأجيال الحالية والمستقبلية، فإن استحضار مجزرة بيت الضيافة لا ينبغي أن يكون بهدف تجديد الخصومات أو إعادة إنتاج الانقسام، وإنما لاستخلاص العبر.
فالدرس الأهم من تلك المأساة هو أن الصراع السياسي حين ينتقل من المؤسسات إلى السلاح، يصبح الجميع معرضين للخسارة، وأن الانتصار المؤقت لطرف لا يمحو آثار الدماء التي تظل عالقة في ذاكرة الوطن.
كما أن المصالحة الوطنية لا يمكن أن تقوم على النسيان، بل على معرفة الحقيقة والاعتراف بالضحايا واحترام حق الأجيال في معرفة تاريخ بلادها.
ولهذا، فإن السؤال الذي ظل معلقاً منذ 22 يوليو 1971 لا ينبغي أن يكون مجرد سؤال عن هوية من ارتكب المجزرة، بل سؤالاً أوسع عن قدرة السودان على مواجهة تاريخه بشجاعة، وفتح ملفاته المغلقة، وتحويل مآسي الماضي إلى دروس تمنع تكرارها.