صدى الحقيقة

تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٣٤)

د. ياسر محجوب الحسين
د. ياسر محجوب الحسين
✍️ كتابات حرة
18 Apr 2026 👁 5
شارك الخبر:

في "أمواج ناعمة"، حيث تلتقي همسات النيل بصدى القلوب، وتترك على الرمال آثارا لا تمحوها الرياح، نلتقي اليوم في الحلقة (٣٤) من "تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية". هنا، على هذا الشاطئ الذي لا ينام، يصلنا تلغرافان هادئان، كأنهما نسيمان يمران بين عواصف الكلمات المتلاطمة: أحدهما يحمل رائحة الخرطوم بعد المطر، والآخر يحمل صرخة النيل وهو يئن تحت سموم الغدر. كلاهما ناعم في ظاهره، عميق في باطنه، كأمواج لا تكسر الصخور بصخب، بل تفتحها بصبر وإصرار.

الأول: محمد عبد القادر.. رجل يمشي بين السيوف الراقصة في غرف الأخبار كأنه نسيم لا يزعج أحدا، ولا ينسى أبدا. جاء إلى الدوحة من الخرطوم فلم يطق البعد، فعاد إليها كالحمامة التي تعرف عشها الأول. رئيس تحرير، محرر أخبار سياسية يبني مصادره كالعنكبوت شبكتها من خيوط الثقة والصبر، ومستشار إعلامي عاد إلى قلمه كما يعود النهر إلى مجراه. في زمن الضجيج يظل صوته هادئا كهمسة النسيم في ليلة صيف حارقة، يقنع ويضيء ويلامس القلب قبل الأذن.

والثاني: هبة عبد العظيم.. سيف ناعم يقطع أغطية الفساد، ومصباح يضيء أعماق النيل الملوث. صحفية استقصائية جريئة، حفرت تحت سطح الماء فاكتشفت السموم التي تسري في عروق الوطن، وهزت الضمير العالمي بتحقيق "سموم في النيل". توجت بجوائز الإيغاد والمنتدى العالمي للصحافة الاستقصائية، ووقفت في زنازين الأمن شاهدا على أن القلم – مهما حوصر – أقوى من كل بنادق الظلام.

هذان التلغرافان، يا من يقرأ على شاطئ الزمالة، ليسا مجرد اسمين في قائمة الصحفيين. إنهما قصتان حيتان عن الصحافة التي لا تصرخ ولا تحرق، بل تروي وتضيء وتحمي.

هما "أمواج ناعمة".. تحمل في طياتها كل ما يستحقه الوطن من صدق وشجاعة وإنسانية.

اقرأوا.. فالشاطئ ينتظر أذنا صاغية.

محمد عبد القادر

في غرفة الأخبار المزدحمة بصحيفة "الشرق" القطرية، حيث كانت الأقلام تتراقص كالسيوف في معركة آخر الليل وتباشير صباح اليوم التالي، التقيت محمد عبد القادر. كان ذلك في مطلع هذا القرن، حين تزاملنا لفترة قصيرة. لم يكن يومئذ مجرد صحفي آخر؛ كان نسيما هادئا يمر بين عواصف الكلمات المتسارعة، يجمع الخبر كما يجمع النحل رحيق الزهور دون أن يزعج أحدا.

جاء محمد إلى "الشرق" قادما من الخرطوم بيد أنه لم يطق البعد عن عرين الصحافة السودانية. كأن الوطن كان شريانا ينبض في صدره، فما إن غادره حتى عاد إليه كالحمامة التي ترفض كل قفص سوى عشها الأول. تقلد العديد من المناصب القيادية: شغل سابقا رئاسة تحرير صحيفتي "الرأي العام" و"الأهرام اليوم"، و«الكرامة» الالكترونية. برز محمد كأحد أفضل محرري الأخبار السياسية، يبني مصادره كما يبني العنكبوت شبكتها: بخيوط من الثقة والصبر والذكاء الفائق. ومعلوم أن تعدد المصادر ومكانتها السياسية والتنفيذية هو ما يميز صحفيا عن آخر.

وله اهتمام خاص بالسياحة، فتقلد مناصب قيادية في جمعية الإعلام السياحي على مستوى الوطن العربي. كان يرى في السياحة ليس مجرد صناعة، بل جسورا تبنى بين الشعوب، وألوانا ترسم على خريطة الجمال السوداني الذي يخفيه الغبار السياسي أحيانا.

وفي ديسمبر 2025، كلف بمهام المستشار الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، فدخل دائرة القرار الحكومي بهدوئه المعهود. لم يدم التكليف طويلا؛ أعلن في مارس 2026 انتهاء الفترة، عائدا إلى قلمه كما يعود النهر إلى مجراه. وفي العام نفسه، توج بلقب "أفضل صحفي ومحلل سياسي لعام 2025" في جوائز صحيفة "الوطن"، تتويجا يليق بمسيرة لم تتوقف.

أما أسلوبه في التعاطي مع القضايا والأزمات السياسية فكان ناعما كهمسة النسيم في ليلة صيف حارقة. موضوعي هادئ، يحاور ويقنع ويضيء الزوايا المظلمة بضوء لا يعمي. ينشط في تناول القضايا السودانية الراهنة، فيتابعه جمهور واسع عبر عموده الصحفي وصفحته الرسمية على فيسبوك. هذا الهدوء الذي يشبه هدوء البحيرة قبل العاصفة، أكسبه احتراما وتقديرا ليس فقط بين زملائه، بل في الدائرة الأوسع: من سياسيين ومفكرين ومواطنين يبحثون عن صوت يصدق ولا يصرخ.

محمد عبد القادر ليس مجرد اسم في قائمة الصحفيين؛ هو قصة حية عن الاحتراف الذي يتجاوز الخبر إلى الإنسانية. في زمن الضجيج الإعلامي، يظل صوته هادئا، لكنه يصل إلى القلب قبل الأذن. وتلك هي عظمة الصحافة الحقيقية: أن تكون نورا لا يحرق، وصوتا لا يرهق.

هبة عبد العظيم

في أعماق النيل الذي يجري كشريان حياة في جسد السودان، حيث تختبئ السموم خلف موجات الطمي، برزت هبة عبد العظيم كصحفية مستقلة جريئة، متخصصة في التحقيقات الاستقصائية التي تقتلع الحقيقة من جذور الظلام. ليست مجرد كاتبة؛ هي سيف ناعم يقطع أغطية الفساد، ومصباح يضيء أعماق الأنهار الملوثة وقصور السلطة المتآكلة.

في عام 2025، توجت هبة بجائزة الإيغاد للصحافة البيئية عن تحقيقها الاستقصائي الذي هز الضمير السوداني والعالمي: «سموم في النيل بالسودان». كشفت فيه عن تلوث مياه النيل بالمعادن الثقيلة والسموم الكيميائية، وخاصة الزئبق الذي يتسرب من التعدين التقليدي كالسم الذي يسري في عروق الوطن. لم تكتف بالكشف؛ حولت التحقيق إلى صرخة بيئية مدوية، فأصبح النيل شاهدا على جريمة لا تغتفر.

وفي السنة نفسها، اختيرت ضمن الفائزين بزمالة المنتدى العالمي للصحافة الاستقصائية (GIJC2025)، تقديرا لمهاراتها في الصحافة الاستقصائية المعمقة. تركز عملها على قضايا الفساد والبيئة وحقوق الإنسان، فهي لا تكتب الخبر بل تحفر تحت سطحه كالنملة التي تبني قصرا من الحقيقة.

تعمل هبة كصحفية مستقلة، وتنشر تقاريرها في منصات دولية وإقليمية مرموقة، أبرزها صحيفة «العربي الجديد». لكن الطريق لم يكن مفروشا بالورود؛ تعرضت خلال مسيرتها لمضايقات وتوقيف من قبل السلطات الأمنية السودانية بسبب تحقيقاتها الجريئة. كان ذلك واضحا خاصة في عام 2015، عقب نشرها تقارير عن تلوث المياه وفساد الانتخابات، حين تحولت زنازين الأمن إلى شاهد على شجاعتها التي لا تلين.

أسلوبها يجمع بين الدقة الجراحية والإنسانية العميقة؛ لا تصرخ، بل تروي بصوت هادئ يخترق القلوب. في زمن الخوف والصمت، أصبحت هبة عبد العظيم رمزا للصحافة التي لا تهزمها السلاسل، وصوتا يحمي النيل والإنسان معا. هي ليست مجرد صحفية؛ هي قصة انتصار الحقيقة على السموم، ودليل أن القلم، مهما حوصر، يبقى أقوى من كل بنادق الظلام

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.