صدى الحقيقة

أيام الله السبعة

حسين خوجلي
حسين خوجلي
✍️ ولألوان كلمة
18 Apr 2026 👁 7
شارك الخبر:

أيام الله السبعة

السبت

من النظريات الاقتصادية التي نَبَهنا الفاروق رضي الله عنه لها هي صحت القسمة ما بين جمع المال وحصاد الثراء والانتباه إلى الأيام، فكثيرون هم الذين جمعوا المال وأسفوا على ذلك، وعندما انتبهوا للفائدة المادية والمعنوية له وجدوه ولكن للأسف لم يجدوا الأيام يقول الفاروق رضي الله عنه ويضيف له الشاعر:

قال رجال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن فلاناً جمع مالا، فقال رضي الله عنه: فهل جمع له أياما ! فأخذه الشاعر من ذلك فقال:

أَرفَه بِعَيشِ فَتى يَغدو عَلى ثِقَة

إِنَّ الَّذي قَسَّمَ الأَرزاقَ يَرزُقُه

فَالعَرضُ مِنهُ مَصونُ لا يُدنِه

وَالوَجهُ مِنهُ جَديد لَيسَ يَخلُقُه

جَمَعتَ مالاً فَفِكرُ هَل جَمَعتَ لَهُ

يا جامِعَ المالَ أَيّاماً تُفَرِّقُه

المالُ عِندَكَ مَخزونٌ لِوارِثِه

ما المالُ مالَكَ إِلّا حينَ تُنفِقُه

الأحد

كان أهل الأدب قديماً يقولون تعلموا الأدب حتى لا تغدِروا أو يُغدر بكم، وكم من كلمة عابرة ذات خفاء أنقذت أصحاب العقول فعلموا أبناءكم اللغة ودربوهم على الفِطنة حتى لا يقعوا في حبائل السلطان وغضب الحكام.

تقول الحكاية:

مما جاء في الذكاء والفهم ما حكي عن المأمون أنه غضب على عبد الله بن طاهر، وشاور أصحابه في الإيقاع به، وكان قد حضر في ذلك المجلس صديق له فكتب إليه كتاباً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، يا موسى. فلما فضه ووجد ذلك تعجب وجعل يطيل النظر إليه ولا يفهم معناه، وكانت له جارية واقفة على رأسه فقالت له: يا سيدي، إني أفهم معنى هذا. فقال: وما هو؟ قالت: إنه أراد قوله تعالى: {يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك}

وكان قد عزم على الحضور إلى المأمون، فثنى العزم عن ذلك واعتذر للمأمون في عدم الحضور فكان سبب سلامته.

وأحسن من ذلك ما ذكره ابن خلكان قال: إن بعض الملوك غضب على بعض عماله فأمر وزيره أن يكتب له كتاباً يشخصه به، وكان للوزير بالعامل عناية، فكتب إليه كتاباً وكتب في آخره، إن شاء الله تعالى. وجعل في صدر النون شدة. فعجب العامل كيف وقعت هذه الحركة من الوزير إذ من عادة الكتاب أن لا يشكلوا كتبهم، ففكر في ذلك فظهر له أنه أراد: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك. فكشط الشدة وجعل مكانها ألفاً وختم الكتاب وأعاده. فلما وقف عليه الوزير سر بذلك وفهم أنه أراد: إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها.

الاثنين

قال فيلسوف: كما أن الآنية تُمتِحن بأطيانها، فيعرف صحيحها من مكسورها، فكذلك الإنسان يعرف حاله من منطقه

وقال المبرد: قلت للمجنون: أجزني هذا البيت:

أرى اليوم يوما قد تكاثف غيمه

وإبراقه فاليوم لا شك ماطر

فقال:

وقد حجبت فيه السحائب شمسه

كما حجبت ورد الخدود المحاجر

حاشية: ومن الغريب أن الإنسان خُلِق من الفَاخّر وكذك الآنية.

الثلاثاء

عبارة أبي العيناء هذه تُعبرعن أدب الاختصار هو ما يعرف في علم الصحافة بعبارة (ما قلّ ودلّ) والبلاغة هي أحكام المعني في قليل المفردات.

قال عبد الله بن يحيى لأبي العيناء: كيف الحال؟ قال:

أنت الحال. فانظر كيف أنت لنا، فأمر له بمال جزيل وأحسن صلته

الأربعاء

عزيزي أبو حنيفة ليت السلطان العربي أضاع رجلاً واحدا إنهم قد اضاعوأمة بحالها فماذا أنت قائل لو قابلت الأمير بحق الملايين؟

تقول القصة التي وردت في تاريخ بغداد ووفيات الأعيان: أن أبا حنيفة رضي الله عنه، كان له جار إسكافي يعمل نهاره، فإذا رجع إلى منزله ليلاً تعشى ثم شرب، فإذا دب الشراب فيه غنى وقال:

أضاعوني، وأي فتى أضاعوا

ليوم كريهةٍ وسداد ثغر

ولا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم، وأبو حنيفة يسمع صوته كل ليلة.

وكان أبو حنيفة يصلي الليل كله، ففقد أبو حنيفة صوته فسأله عنه فقيل: أخذه العسس منذ ليالٍ، فصلى أبو حنيفة الفجر من غده، ثم ركب بغلته وأتى إلى دار الأمير، فاستأذن عليه، فقال: ائذنوا له، وأقبلوا به راكباً ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط. ففعل به ذلك، فوسع له الأمير من مجلسه وقال له: ما حاجتك؟ قال: أشفع في جاري.

فقال الأمير: أطلقوه وكل من أخذ في تلك الليلة.

فخلوهم أيضاً وذهبوا وركب أبو حنيفة بغلته وخرج والإسكافي يمشي وراءه فقال له أبو حنيفة: يا فتى! هل أضعناك؟ فقال: بل حفظت ورعيت فجزاك الله خيراً عن حرمة الجوار. ثم تاب الرجل ولم يعد إلى ما كان يفعل.

وقال الشافعي: قلت لمالك، هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته.

الخميس

يقول الأديب والروائي العالمي الطيب صالح: (أشباح الليل تتبخر مع الفجر، وحمى النهار تبرد مع نسيم الليل).

حاشية: عزيزي الطيب كان هذا في زمانك، أما الآن فإن أشباح الليل تسعى مع الناس بالنهار، وأما حمى النهار فإنها تزداد حرارة بالليل بل تفوق حمى أبي الطيب التي قال فيها:

وَزائِرَتي كَأَنَّ بِها حَياءً

فَلَيسَ تَزورُ إِلّا في الظَلامِ

بَذَلتُ لَها المَطارِفَ وَالحَشايا

فَعافَتها وَباتَت في عِظامي

يَضيقُ الجِلدُ عَن نَفسي وَعَنها

فَتوسِعُهُ بِأَنواعِ السِقامِ

كَأَنَّ الصُبحَ يَطرُدُها فَتَجري

مَدامِعُها بِأَربَعَةٍ سِجامِ

أُراقِبُ وَقتَها مِن غَيرِ شَوقٍ

مُراقَبَةَ المَشوقِ المُستَهامِ

الجمعة

صحيح أن أمير الشعراء كتب هذه القصيدة في حج أحد الكبار عندما غادر الكنانة صوب البيت الحرام، ومن عبقرية شوقي أن قصائده تصلح لكل فرد حتى ولو كان من عامة الناس، فهي هديتنا لكل صاحب نية صوب مكة المشرفة عمرة أو حجاً مبروراً مقبولا.

والقصيدة شهيرة ولأن الثقات من عارفي جمال الشعرالعربي كانوا يحفظونها عن ظهر قلب ويتأسون بها ويطربون، وأحسب أن أم كلثوم قد تغنت بها في مُجمل قصائدها العصيات.

إِلى عَرَفاتِ اللَهِ يا خَيرَ زائِرٍ

عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ في عَرَفاتِ

وَيَومَ تُوَلّى وُجهَةَ البَيتِ ناضِراً

وَسيمَ مَجالي البِشرِ وَالقَسَماتِ

عَلى كُلِّ أُفقٍ بِالحِجازِ مَلائِكٌ

تَزُفُّ تَحايا اللَهِ وَالبَرَكاتِ

إِذا حُدِيَت عيسُ المُلوكِ فَإِنَّهُم

لِعيسِكَ في البَيداءِ خَيرُ حُداةِ

لَدى البابِ جِبريلُ الأَمينُ بِراحِهِ

رَسائِلُ رَحمانِيَّةُ النَفَحاتِ

وَفي الكَعبَةِ الغَرّاءِ رُكنٌ مُرَحِّبٌ

بِكَعبَةِ قُصّادٍ وَرُكنِ عُفاةِ

وَما سَكَبَ الميزابُ ماءً وَإِنَّما

أَفاضَ عَلَيكَ الأَجرَ وَالرَحَماتِ

وَزَمزَمُ تَجري بَينَ عَينَيكَ أَعيُناً

مِنَ الكَوثَرِ المَعسولِ مُنفَجِراتِ

وَيَرمونَ إِبليسَ الرَجيمَ فَيَصطَلي

وَشانيكَ نيراناً مِنَ الجَمَراتِ

يُحَيّيكَ طَهَ في مَضاجِعِ طُهرِهِ

وَيَعلَمُ ما عالَجتَ مِن عَقَباتِ

وَيُثني عَلَيكَ الراشِدونَ بِصالِحٍ

وَرُبَّ ثَناءٍ مِن لِسانِ رُفاتِ

لَكَ الدينُ يا رَبَّ الحَجيجِ جَمَعتَهُم

لِبَيتٍ طَهورِ الساحِ وَالعَرَصاتِ

أَرى الناسَ أَصنافاً وَمِن كُلِّ بُقعَةٍ

إِلَيكَ اِنتَهَوا مِن غُربَةٍ وَشَتاتِ

تَساوَوا فَلا الأَنسابُ فيها تَفاوُتٌ

لَدَيكَ وَلا الأَقدارُ مُختَلِفاتِ

عَنَت لَكَ في التُربِ المُقَدَّسِ جَبهَةٌ

يَدينُ لَها العاتي مِنَ الجَبَهاتِ

مُنَوِّرَةٌ كَالبَدرِ شَمّاءُ كَالسُها

وَتُخفَضُ في حَقٍّ وَعِندَ صَلاةِ

وَيا رَبِّ لَو سَخَّرتَ ناقَةَ صالِحٍ

لِعَبدِكَ ما كانَت مِنَ السَلِساتِ

وَيا رَبِّ هَل سَيّارَةٌ أَو مَطارَةٌ

فَيَدنو بَعيدُ البيدِ وَالفَلَواتِ

وَيا رَبِّ هَل تُغني عَنِ العَبدِ حَجَّةٌ

وَفي العُمرِ ما فيهِ مِنَ الهَفَواتِ

وَتَشهَدُ ما آذَيتُ نَفساً وَلَم أَضِر

وَلَم أَبغِ في جَهري وَلا خَطَراتي

وَلا غَلَبَتني شِقوَةٌ أَو سَعادَةٌ

عَلى حِكمَةٍ آتَيتَني وَأَناةِ

وَلا جالَ إِلّا الخَيرُ بَينَ سَرائِري

لَدى سُدَّةٍ خَيرِيَّةِ الرَغَباتِ

وَلا بِتُّ إِلّا كَاِبنِ مَريَمَ مُشفِقاً

عَلى حُسَّدي مُستَغفِراً لِعِداتي

وَلا حُمِّلَت نَفسٌ هَوىً لِبِلادِها

كَنَفسِيَ في فِعلي وَفي نَفَثاتي

وَإِنّي وَلا مَنٌّ عَلَيكَ بِطاعَةٍ

أُجِلُّ وَأُغلي في الفُروضِ زَكاتي

أُبلَغُ فيها وَهيَ عَدلٌ وَرَحمَةٌ

وَيَترُكُها النُسّاكُ في الخَلَواتِ

وَأَنتَ وَلِيُّ العَفوِ فَاِمحُ بِناصِعٍ

مِنَ الصَفحِ ما سَوَّدتُ مِن صَفَحاتي

وَمَن تَضحَكِ الدُنيا إِلَيهِ فَيَغتَرِر

يَمُت كَقَتيلِ الغيدِ بِالبَسَماتِ

وَرَكِبَ كَإِقبالِ الزَمانِ مُحَجَّلٍ

كَريمِ الحَواشي كابِرِ الخُطُواتِ

يَسيرُ بِأَرضٍ أَخرَجَت خَيرَ أُمَّةٍ

وَتَحتَ سَماءِ الوَحيِ وَالسُوَراتِ

يُفيضُ عَلَيها اليُمنَ في غَدَواتِهِ

وَيُضفي عَلَيها الأَمنَ في الرَوَحاتِ

إِذا زُرتَ يا مَولايَ قَبرَ مُحَمَّدٍ

وَقَبَّلتَ مَثوى الأَعظَمِ العَطِراتِ

وَفاضَت مَعَ الدَمعِ العُيونُ مَهابَةً

لِأَحمَدَ بَينَ السِترِ وَالحُجُراتِ

وَأَشرَقَ نورٌ تَحتَ كُلِّ ثَنِيَّةٍ

وَضاعَ أَريجٌ تَحتَ كُلِّ حَصاةِ

لِمُظهِرِ دينِ اللَهِ فَوقَ تَنوفَةٍ

وَباني صُروحِ المَجدِ فَوقَ فَلاةِ

فَقُل لِرَسولِ اللَهِ يا خَيرَ مُرسَلٍ

أَبُثُّكَ ما تَدري مِنَ الحَسَراتِ

شُعوبُكَ في شَرقِ البِلادِ وَغَربِها

كَأَصحابِ كَهفٍ في عَميقِ سُباتِ

بِأَيمانِهِم نورانِ ذِكرٌ وَسُنَّةٌ

فَما بالُهُم في حالِكِ الظُلُماتِ

وَذَلِكَ ماضي مَجدِهِم وَفَخارِهِم

فَما ضَرَّهُم لَو يَعمَلونَ لِآتي

وَهَذا زَمانٌ أَرضُهُ وَسَماؤُهُ

مَجالٌ لِمِقدامٍ كَبيرِ حَياةِ

مَشى فيهِ قَومٌ في السَماءِ وَأَنشَئوا

بَوارِجَ في الأَبراجِ مُمتَنِعاتِ

فَقُل رَبِّ وَفِّق لِلعَظائِمِ أُمَّتي

وَزَيِّن لَها الأَفعالَ وَالعَزَماتِ

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.