صدى الحقيقة

فيحاء شرق النيل… حكاية الصبر والإنتصار

عمار العركي
عمار العركي
✍️ كتابات حرة
15 Apr 2026 👁 5
شارك الخبر:

▪️تمر ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، وعامان على كتابة هذه الكلمات التي خرجت يومها من قلب النار، لا لتصف مشهدًا عابرًا، بل لتوثّق لحظة فاصلة في تاريخ المكان والإنسان.

لم تكن "الفيحاء" حينها مجرد حي يُنتهك، بل كانت عنوانًا لمعركة الصبر في وجه القهر، ومرآةً لوجع وطن كامل وهو يُقتلع من تفاصيله اليومية.

▪️اليوم، وبعد أن دارت دورة الزمن، وتبدلت موازين الأرض، وعادت "شرق النيل" إلى حضن أهلها، لا نعيد نشر هذا المقال بوصفه نصًا من الماضي، بل بوصفه شهادة حيّة على ما جرى… ودليلًا على أن ما كُتب تحت القصف، صمد كما صمد أهله.

▪️بين سطور الأمس، كنا نكتب عن الألم ونبشّر بالأمل… واليوم نقرأ ذات السطور وقد تحوّل الأمل فيها إلى واقع، والصبر إلى نصر، والغياب إلى عودة.

لم تخذل "الفيحاء" عهدها، ولم يخذلها أبناؤها… فكانت كما ظننا بها: لا تُكسر، ولا تنحني، ولا تنسى.

▪️إعادة نشر هذا المقال ليست استرجاعًا لذكريات موجعة فحسب، بل هي تثبيتٌ لمعنى مهم:

أن المدن التي تُبنى بالعرق، لا تُهزم بالغدر… وأن الأحياء التي تحفظ أهلها، تحفظها الذاكرة حتى تعود.

▪️وهنا، نترك النص كما كُتب في لحظته الأولى… بلا تعديل، لأن صدقه كان كافيًا، ولأن وجعه كان حقيقيًا، ولأن بشارته — كما نرى اليوم — لم تكن وهمًا:

فيحــاء شـــرق النيــل عمار العركي - 21 يوليو 2023م

▪️محلية شرق النيل الصامدة الصابرة تأبى إلا أن تكون "كرري أخرى"، شاهدة على بسالة نسور جيشنا الضارية، وهي تهيئ مسرحها للحسم وأرضها لتكون قبرًا لكل ما تبقى من متمردين ومرتزقة غزاة. فتحت أبوابها بكل فدائية، مستقبلةً الهاربين من جحيم قواتنا المسلحة في أم درمان والخرطوم وبحري، يملؤهم الجبن والخوف، ويكسوهم الهلع والرعب، ففرغوه بطشًا وتنكيلاً بشرق النيل الصامدة الصابرة. لكن ما أن اكتمل تجمعهم حتى أطبقت عليهم، وبإذن الله وعونه، وبصمودها وصبرها، لن يُغادر منهم أحد.

▪️حي "الفيحاء" عروس شرق النيل، التي أغرت بجمالها وهدوئها طبقة التكنوقراط وأساتذة الجامعات وموظفي الخدمة المدنية ومعاشيي القوات النظامية، فتسابقوا لنيل شرف القرب منها، فحازوه عبر خطتها الإسكانية أو سوقها العقاري، بأراضٍ شيدوا عليها بيوتًا بعرق الجبين ومكافأة خدمة السنين.

▪️ "الفيحاء"، أصغر أخواتها وأجملهن "دار السلام والقادسية"، وأهدى جاراتها "النصر والهدى والجامعة"، لكنها كانت الأكثر تعرضًا للبطش والتنكيل. أحالتها فلول الميليشيات الباغية إلى خراب ودمار، فعاثوا فيها فسادًا، ونالت من العقاب والانتقام ما لم تنله أخواتها ولا جاراتها اللائي أشفقن عليها رغم مصابهن ولسان حالهن: "من يرى مصيبة غيره، تهون عليه مصيبته".

▪️أُنتهكت "الفيحاء" وهي صامدة، شُرِّد غالبية أهلها وهي صابرة. أُفرغت البيوت من سكانها وما بداخلها، تُركت خاويةً على عروشها إلا من جدران وسقوف، ورغم ذلك كانت أحسن حالًا من بعض جاراتها، التي سكنها الغزاة وأقاموا فيها، ليمارسوا عليها الانتهاك اليومي، والموبقات، والفساد، والممارسات غير الأخلاقية.

▪️أُهينت "الفيحاء" لأنها وُجدت على شارع "الوالي" الذي مضى إلى رحمة الله قبل سنين، فنكّل بها الأوباش الجهلة حتى تخبرهم عن مكانه! وأُجرمت لأن "العقيد عبد الفتاح البرهان" طلب القُرب منها في مربعها الثامن، لكنه لم ينل النصيب، فباع بيته قبل إكمال تشطيبه، فجعلوها تدفع ثمنًا باهظًا فقط لأنها لم تخبرهم "أين البرهان؟".

▪️ "الفيحاء" تُعذَّب وتُغتصب لأنها لم تخبرهم إلى أين ذهب عسكرها، ولم تدلّهم على منازلهم. تساءلوا عن الوزير "جمال عمر" رحمه الله، فلم يميزوا بينه وبين "جمال فرفور"! بحثوا عن أبو قرون، عزير، المطيري، عبد المحمود، عبد الناصر، الطاهر، سهيلي، الأقرع… وغيرهم من بررتها والوطن، وإمام مسجدها "الشيخ صلاح"، والمؤذن "الشيخ أحمد"، ومولانا سيف، وغيرهم، لكنها لم تجب.

▪️عذبوها، أفرغوا بيوتها، ونهبوها بذرائع البحث عن "الكيزان" والديمقراطية، حتى مسجدها "الحماد" لم يسلم، فلم يبقَ فيه سوى مؤذن وخمسة آخرين، أقسموا ألا يسكت الأذان، وألا تُهجر الصلاة.

▪️بُشراكِ يا فيحاء… لم يكن الوعد سرابًا، ولم يكن الحلم بعيدًا كما ظنّوا.

ها هو الفجر الذي بشّرنا به قد أشرق، وها هم أبناؤك يعودون، لا كما خرجوا… بل أكثر صلابة، وأشد ارتباطًا بكِ، وأعمق وفاءً لترابك.

▪️إليكِ عادوا…

عادوا وهم يحملون في وجوههم ملامح الغياب الطويل، وفي قلوبهم يقين لا يتزحزح بأن الأرض التي صبرت، لا بد أن تنتصر.

عادوا ليملأوا البيوت حياة، ويغسلوا جراح الجدران، ويعيدوا للأذان صداه الكامل، وللشوارع أسماءها التي لم تنسها.

▪️إليكِ عادوا… كما وعدوا:

"إليكِ سنعود… لا كحلمٍ مؤجل، بل كحقيقةٍ تُرى

نعود وقد انحنى الليلُ الطويل، وارتفع النهارُ ظُهرًا

نعود مع الفجر الذي لا يُهزم،

ومع الأمل الذي لا ينكسر،

نعود…

لنكتب فوق جدرانكِ أن الصبر انتصر،

وأن الغياب — مهما طال —

لا يُطفئ في القلوب نار العودة."

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.