▪️في ختام زيارته الرسمية إلى ليبيا، حمل وزير الخارجية السوداني رسائل سياسية مُهمة من طرابلس، عكست رغبة واضحة في إعادة تنشيط العلاقات الثنائية، وتأسيس مقاربة جديدة تقوم على التعاون والتكامل، لا سيما في ظل التحديات التي يواجهها البلدان. وقد جاء لقاؤه برئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، ليؤكد هذا الاتجاه، من خلال خطاب سياسي دافئ، شدد على عمق العلاقات، ووحدة المصير، وأهمية بناء معادلة “أمن مشترك” بين الخرطوم وطرابلس.
▪️غير أن هذا الدفء السياسي، على أهميته، يفتح الباب لتحليل أعمق يتجاوز ما قيل في القاعات الرسمية، إلى ما يجري على الأرض في الجغرافيا الحدودية السودانية الليبية المعقدة . فالعلاقة بين السودان وليبيا لا تُختبر في طرابلس وحدها، بل في مناطق أكثر تأثيراً… هناك في "كُفرة" الشرق الليبي ، حيث تتقاطع المصالح، وتتداخل التهديدات، وتُرسم حدود الأمن الحقيقي بعيداً عن اللغة الدبلوماسية.
▪️"طرابلس" تُقدّم خطاباً متقدماً، يقوم على احتواء السودانيين، ودعم استقرار السودان، وربط أمن البلدين في معادلة واحدة. لكن هذا الخطاب، مهما بلغ من قوة، يظل محكوماً بحدود النفوذ الفعلي، خاصة في ظل الانقسام الليبي وتعدد مراكز القرار، وهو ما يجعل من “الأمن المشترك” هدفاً سياسياً مشروعاً، لكنه معقد في التطبيق.
▪️في الشرق الليبي "الكُفرة"، تبدو الصورة مختلفة تماماً. فهذه المنطقة، التي تمثل العمق الحدودي بين السودان وليبيا، تحولت إلى ساحة مفتوحة لتهديد السودان عبر الحدود دعم المليشيا ، شبكات التهريب، وتقاطعات النفوذ الإقليمي. وهي، بما يُمثل التحدي الحقيقي لأي محاولة لضبط العلاقة بين البلدين.
▪️وهنا تحديداً، تبرز أهمية اتفاقية القوات المشتركة بين السودان وليبيا، المجمدة منذ العام 2014، باعتبارها الإطار العملي الذي كان يمكن أن يترجم مفهوم “الأمن المشترك” إلى إجراءات ميدانية. غير أن تجميدها، واستمرار هذا التجميد، يعكسان عمق الأزمة الليبية، الداخلية ، وعجز الأطراف المختلفة عن بناء آلية موحدة لإدارة الملف الحدودي.
▪️الإشكالية الأكبر أن الشرق الليبي بقيادة اللواء "خليفة حفتر" ، تحكمه حسابات مختلفة ومعاكسة لطرابلس الغرب وللخرطوم ، بعضها محلي ، وبعضها مرتبط بتوازنات إقليمية أوسع. وهو ما يجعل أي تقارب سوداني مع الغرب الليبي خطوة مهمة، لكنها غير كافية بمفردها لتحقيق الاستقرار المطلوب.
خلاصة القول ومنتهاه :-
▪️أن زيارة وزير الخارجية إلى طرابلس تمثل مدخلاً مهماً لإعادة بناء العلاقة، وتؤسس لمرحلة من التقارب السياسي الواضح. لكن نجاح هذه المرحلة يظل مرهوناً بقدرة الطرفين على تجاوز ازدواج الجغرافيا الليبية، وتحويل “دفء طرابلس” إلى ترتيبات عملية تمتد إلى “سخونة كُفرة”… حيث يُصنع الأمن الحدودي الثنائي المشترك والاقليمي ،