سادتي.. عمل سعادة السفير عماد الدين عدوي في أحلك الظروف، وجلس على كرسي سفارة السودان بمصر في مرحلة استثنائية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فكانت مهمته أكبر من حدود العمل الدبلوماسي التقليدي.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن أعداد السودانيين في مصر كادت أن تتجاوز الستة ملايين، ندرك حجم المسؤولية التي كانت على عاتقه.
ملايين السودانيين، منهم من تقع رعايتهم مباشرة ضمن اختصاص السفارة، ومنهم من اختاروا التسجيل لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لكن ذلك لم يمنع السفارة، في عهده، من مد مظلة الرعاية لتشمل الجميع، لأن السوداني يظل سودانياً أينما كان موقعه أو اختياره.
ولأن الأعداد كانت أكبر من قدرة القنوات التقليدية على استيعابها، جاء توسيع مظلة القنصليات ليشكل واحدة من الأدوات المهمة في مواجهة هذا التحدي، ومن خلالها أمكن إنجاز جانب كبير من الخدمات القنصلية، وتخفيف العبء عن المواطنين، وتسهيل معاملاتهم في ظروف لم تكن عادية على الإطلاق.
ولم تكن القنصلية وحدها في قلب المشهد؛ فالتعليم كان ملفاً آخر لا يقل أهمية. فقد جرى العمل على ترتيب امتحانات المراحل التعليمية المختلفة، حتى لا تكون الحرب سبباً في انقطاع أبنائنا عن مسيرتهم التعليمية، وهو جهد يستحق التوقف عنده والتقدير.
أما المستشارية الصحية، فقد بذلت جهداً جباراً في خدمة السودانيين، وظلت حاضرة في واحدة من أكثر الملفات حساسية، إلى جانب الخدمات القنصلية المختلفة التي ظلت السفارة تعمل على توفيرها رغم ضخامة الاحتياجات وتعددها.
لذلك فإن وداع السفير عدوي اليوم ليس مجرد انتقال سفير من محطة إلى أخرى، وإنما هو وداع لمرحلة كاملة، عاش خلالها الرجل وسط أعداد هائلة من أبناء وطنه، وحمل همومهم، وحاول أن يجعل من السفارة والقنصليات أبواباً مفتوحة للسودانيين في وقت كانت فيه الأبواب تضيق بالكثيرين.
التكريم الحقيقي ليس في كلمات الوداع وحدها، وإنما في شهادة الناس على ما قدمه.
شكراً سعادة السفير عدوي.. فقد كنت في ظرف استثنائي أمام مسؤولية استثنائية، وتركت أثراً يستحق أن يُذكر.
وداعاً.. وكل التوفيق في محطتك القادمة. فالمنصب ينتهي، أما الأثر الطيب فيبقى.