صدى الحقيقة

تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٣٣)

د. ياسر محجوب الحسين
د. ياسر محجوب الحسين
✍️ كتابات حرة
14 Apr 2026 👁 7
شارك الخبر:

على "شاطئ الزمالة الصحفية"، حيث تصل الحكايات في هيئة تلغرافات ذات أثر لا رسائل عابرة، تولد هذه الحلقة (33) و"أمواج ناعمة"؛ تزور رمال الشاطئ الصحفي لا لتروي سيرة من السير، بل لتلتقط نبض كاتبين حملا الوطن بين سطورهم، كلٌّ بطريقته. هنا، تتهادى الأمواج بهدوء، لكنها تخفي في أعماقها صخب التجربة وصدق المواجهة.

في هذا المدى المفتوح بين الحبر والذاكرة، يجيء إسماعيل آدم كصوتٍ عتيق يشبه جذع نخلة صمدت في وجه الرياح، وتطل أمينة الفضل كمدٍّ جديد لا يعرف الانكسار. وبينهما تمتد المسافة كحوارٍ غير مكتوب، ترسله «تلغرافات» سريعة لكنها مثقلة بالمعنى، كأنها رسائل وطن يكتب نفسه بنفسه.

هذه ليست مجرد سيرة لصحفيين، بل موجتان تلتقيان: واحدة تحفظ الذاكرة، وأخرى تعيد إشعالها. ومع كل سطر، يقترب الشاطئ أكثر، وتصبح الزمالة الصحفية وطناً صغيراً تُروى فيه الحكايات بهدوء، لكنها تظل قادرة على إيقاظ عاصفة.

اسماعيل آدم

نشأ إسماعيل آدم كشجرة تبلدي شامخة، جذورها تغوص عميقاً في تربة الوطن الخصبة، وأغصانها تمتد بكبرياء نحو السماء الرحيب.

لم يكن إسماعيل مجرد صحفي، بل كان راوياً يتنفس أنفاس الوطن. لسنوات طويلة، وقف مراسلاً لصحيفة "الشرق الأوسط" في الخرطوم، يحمل قلمه كسيف يقطع غبار الأزمات؛ يرصد الشؤون السياسية، يرسم خرائط التوترات، ويحفر على رمال النيل صوراً من الأحداث الجارية لا تمحوها رياح الزمن. كان يرى في كل حدث قصة، وفي كل أزمة درساً يرويه ببلاغة لا تُضاهى.

ثم انتقل إلى مكتب قناة الجزيرة في الخرطوم، حيث أصبح ركيزةً لا غنى عنها. هناك سكب خبرته الواسعة كالذهب المنصهر؛ ينقل الأخبار بدقة، ويصمم التقارير وينتج المواد بمهنية نادرة تجعل الشاشة تتكلم بلغة الحقيقة الجريئة. لم يكن مجرد محررا ومنتجا صحفيا، بل كان شريان الحركة الذي يدفع بالمكتب نحو التميز.

وفوق كل ذلك، يجلس إسماعيل في هدوء ليكتب؛ فتنساب مقالات رأيه وتحليلاته السياسية والاجتماعية في المنصات الإلكترونية مثل "التحرير" و"مداميك" وغيرهما، كأن مداده هو النيل الأزرق: يروي الظمأ، يحمل حكمة السنين، ويغمر القارئ في بحر من الرؤى العميقة.

إسماعيل آدم ليس صحفياً فحسب؛ بل هو قصة حية من قصص الإعلام العربي. رجلٌ حمل القلم فأصبح صوت الوطن، وتبلدية لا تكثرها العواصف.

أمينة الفضل

مع قطرات الحبر الأولى، كانت أمينة بت الفضل تمشي بخطى واثقة بين الكلمات، كأنها تعرف منذ البدء أن طريقها لن يكون عادياً. لم تكن مجرد صحفية تلاحق الخبر، بل روحاً تبحث عن المعنى خلف العناوين وتُنصت لما لا يُقال. هناك، بين ضجيج الأحداث وصمت الحقيقة، برعت في صياغة الأخبار وإدارة الحوارات، حتى غدت كلماتها جسراً يعبر عليه القارئ إلى عمق الوقائع.

تلتزم أمينة حدَّ التطرف بمبادئ وقيم تجعلها فوق كل اعتبار مهني، كأنها سيف من نور يرفض الانحناء أمام عواصف السلطة. ولم تقف أمينة عند حدود الصحافة؛ فهي الأديبة التي ترى في كل خبر حكاية، وفي كل حكاية نبض إنسان. تنقلت بين محطات صحفية بارزة، فتركت بصمتها في صحيفتي "ألوان" و"الحياة"، حيث صقلت تجربتها واشتد عودها ككاتبة تعرف كيف تمسك بالخيط الدقيق بين المهنية والشغف.

وفي أروقة المجلس القومي للصحافة والمطبوعات، كانت حاضرة في العديد من اللجان المتخصصة، تؤدي دورها بإصرار من يؤمن بأن الكلمة مسؤولية لا امتياز. ومع ظهور فضاءات العالم الرقمي، دخلتها بثقة لتصنع لنفسها حضوراً لافتاً عبر منصات التواصل، حيث تحوّلت صفحتها إلى ساحة نقاش حية، تنبض بالرأي وتشتعل بالحوار.

اليوم، تترأس أمينة تحرير موقع "مرايا برس"، وهي لا ترى في المنصة مجرد منصة، بل مرآة تعكس وجع الوطن بصدق لا يعرف التجميل. أما عمودها "دقيقة بس!!"، فهو ومضة خاطفة وحادة؛ دقيقة واحدة تكفيها لتُعرّي الزيف وتفتح نوافذ الضوء على القضايا الراهنة.

وفي "رابطة الصحافة الإلكترونية"، تمارس دورها القيادي بجمع الصحفيين كما يجمع النيل روافده، دافعةً بالعمل الإعلامي إلى آفاق أرحب، خاصة في الولاية الشمالية. وعندما تظهر على الشاشات محللةً، تفكك الأزمات بجرأة، من قضايا الحدود إلى تعقيدات الاتفاقيات الدولية والجراح الوطنية التي لم تندمل بعد.

أما في العالم الرقمي، وتحت وسم "#أمينة_بت_الفضل"، فهي ظاهرة لا تُشبه إلا نفسها؛ تكتب فتُضحك، ثم تكتب فتُشعل الأسئلة، كأنها تُوقظ في القارئ شيئاً كان نائماً منذ زمن. هكذا تمضي أمينة، سيفاً من نور لا ينحني ولا يساوم، ولا يكتب إلا ما يؤمن به.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.