وتمضي تلغرافات "أمواج ناعمة" تتلاطم بهدوء على شاطئ الزمالة الصحفية، حيث تبلغ حلقاتها الـ (32) حلقة مترعة بالمحبة والتقدير ليقف القلم شاهداً على قدسية الكلمة. كأن طه حسين يهمس في أذن الريح: "الأدب ليس زينة، بل سيفاً يشق الظلام"، وكأن المنفلوطي يبكي بدموع الورد: "يا أيها القلم، أنت الذي يحيي الموتى ويحيي الأحياء". هنا، على هذا الشاطئ الرملي الذي يطوق حلة الصحفيين يحتضنها كما تحتضن الأم وليدها الذي لا يعرف الجزر، نلتقي اليوم بصحفيين يجمعهما حب الوطن وحب المهنة: يوسف عبد المنان وأحمد عبد الله التوم.
هما ليسا مجرد اسمين في سجل الصحافة السودانية؛ بل هما موجتان ناعمتان تحملان في طياتهما عطر التراث وعبق الوطن. يوسف، الذي كرس قلمه لعكس قضايا الولايات المهمشة بكل نضج وطني رشيد، يرسم "خارج النص" لوحات من الدم والأمل في دارفور وجنوب كردفان. أما أحمد، الذي خرج من أحضان جامعة القاهرة فرع الخرطوم، ظل جسراً عتيداً بين مملكة مروي والبجراوية وبين حاضرنا المتلاطم، يحمل في صدره تراثاً شعبياً لا ينسى، وفي قلبه حسن العشرة الذي يفتح له أبواب القلوب قبل أن يفتح أبواب الصحف.
في هذه الحلقة الـ (32) من "تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية"، لا نروي سيرتين فحسب، بل نرسل رسالة إلى كل قلم سوداني: إن الزمالة الحقيقية هي تلك التي تجمع بين من يحفر في جبال السياسة وبين من يحرس كنوز التراث. "أمواج ناعمة"، لكنها تحمل في أعماقها عاصفة من الصدق. فاقرأوا، فالتاريخ يستمع.
يوسف عبد المنان
في أعماق السودان الشاسع، حيث تتمايل رياح النزاعات كأشباح في ليالي دارفور المظلمة، وتتردد أصداء الجراح في جبال جنوب كردفان كأنها أناشيد الألم الخالدة، يظهر يوسف عبد المنان كبطل قصة لم تكتب بعد. هو ليس مجرد كاتب صحفي أو محلل سياسي؛ إنه القلم الذي ينبض بالنار والحكمة، يرسم لوحات من الواقع الدامي بألوان الصدق الجريء، ويحول السياسة من مجرد أرقام وتقارير إلى ملحمة إنسانية تروى على ألسنة الشعب.
منذ أن خط يوسف أولى كلماته، كان يعرف أن قلمه ليس مجرد أداة؛ بل سيف يقطع ستار الغموض عن قضايا الولايات الطرفية. كرس قلمه لعكس قضايا الولايات، وعالج ما يوصف على نطاق واسع بقضايا التهميش بكثير من النضج والرشد، في إطار قومي وطني يجمع بين أبناء النيل والصحراء والجبال في نسيج واحد من الوطنية الصادقة. لم يكن يبحث عن الشهرة، بل عن الحقيقة التي تختبئ خلف الجدران السياسية، فكتاباته المثيرة للجدل تشبه عواصف الصحراء: تثير الغبار، لكنها تنقي الهواء وتكشف الكنوز المخفية.
أبرز ما في مسيرته تلك الأعمدة الصحفية التي حملت عنوان "خارج النص"، كأنها رسائل سرية تبعث من قلب الظلام. نشرت في صحف عريقة مثل "الكرامة" و"المجهر السياسي"، حيث يتدفق الحبر كأنه دماء الوطن نفسه. يركز يوسف في تحليلاته على الشأن السوداني الداخلي، يتتبع تداعيات الأحداث في الولايات النائية كأنه يراقب نبض قلب عملاق يعاني من جروح قديمة. وما أن يظهر على شاشات الفضائيات حتى يتحول إلى صوت يدوي في البراري: يناقش الصراعات الراهنة ببراعة الشاعر الذي يحول الدم إلى شعر، والأزمة إلى أمل.
آراؤه قوية كجبال النوبة، لا تهاب القوى السياسية، بل تواجهها بصدق يقطر مرارة. في مقالاته الأخيرة، فكك دور "الرباعية الدولية" كما يفكك لغزاً قديماً، ورسم صورة حية للأزمات التي تلت سقوط نظام البشير، كأنها فصول من رواية تراجيدية تكتب بدماء الشعب. يتنوع قلمه بين النقد الحكومي الذي يحرق كالنار، والرسائل السياسية التي تشفي كالدواء، وتوثيق الأحداث الميدانية التي يرويها كأن عينيه كاميرا القدر نفسه. وتظل أرشيفات مقالاته على منصات مثل "النيلين" شاهداً حياً، كأنها خزانة كنوز تفتح لمن يبحث عن الضوء في غياهب السياسة. هكذا يعيش يوسف عبد المنان: ليس مجرد كاتب، بل راوٍ لقصة السودان الكبرى، يحمل على كتفيه أثقال التهميش ويحولها إلى جسور نحو الوحدة الوطنية. في كل سطر يكتبه، يهمس للوطن: "أنا هنا، أشهد، أكتب، أحيا".
أحمد عبد الله التوم
في أروقة التاريخ السوداني، حيث تتمايل أشجار النخيل على ضفاف النيل كأنها أرواح الأجداد تهمس بأسرار كوش ونبتة، وتتردد أصداء مملكة مروي في البجراوية كأناشيد الخلود، يبرز أحمد عبد الله التوم من أرض نوري الباجور جنوب المعطاءة كشخصية متميزة في عالم الكلمة والتراث. هو ليس مجرد صحفي أو باحث؛ بل هو جسر حي بين الماضي المجيد والحاضر المضطرب، يحمل في صدره نبض حضارة أهل المنطقة وفي قلمه سيف الصدق الذي يقطع الظلام.
تخرج "ود التوم" من قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة فرع الخرطوم منتصف الثمانينات، فكأنما تفتحت له أبواب السماء ليغمر الورق بحبر الشعر والتحليل. فور تخرجه، انطلق يعمل بصحيفة "السوداني" عام 1987، ثم انتقل إلى "السودان الحديث"، حيث كانت أخباره وتقاريره تتدفق كأنهار النيل الأزرق: حية، عميقة، لا تهدأ. لكنه لم يقتصر على الصحافة؛ فقد التحق موظفاً بالأمانة العامة لمجلس الوزراء عام 1990 في الإدارة السياسية والإعلام، ينسج خيوط الدبلوماسية الكلامية بين السياسيين والرأي العام.
ثم انتدب عام 1997 رئيساً لقسم الإعلام في الشركة السودانية للمناطق والأسواق الحرة، فحول الإعلام إلى فن يجذب الاستثمار كما يجذب النحل الرحيق. عاد بعد ذلك إلى عرين الصحافة، متولياً رئاسة تحرير صحيفة "الوسط الاقتصادي" اليومية، حيث كانت افتتاحياته تشبه عواصف الصحراء: تنقي الهواء وتكشف الحقائق الاقتصادية بجرأة نادرة.
غير أن أحمد التوم لم يكن صحفياً فقط؛ إنه باحث في مجال التراث الشعبي بمنطقة الشايقية، يغوص في أعماق الحكايات الشعبية كأنه يستخرج ذهباً من رمال النيل. لديه إلمام واسع بالتاريخ القديم لحضارات كوش ونبتة، وتاريخ مملكة مروي في البجراوية، يرويها كأنها قصص أجداده يسمعها كل ليلة. اقتنى مراجع ثمينة في اللغة العربية، خزانة معرفية كأنها قصر من كتب، لكن بعضها ضاع من مكتبته العامرة عندما دخلت قوات الدعم السريع حي الفيحاء بشرق النيل، فكأن القدر أراد أن يحرق بعض الذكريات ليبقي النار مشتعلة في قلبه.
وامتاز أحمد بحسن العشرة والقدرة الفائقة على كسب محبة واحترام زملائه ومصادره، فكان كالنخلة الظليلة: يمنح الظل لمن حوله، ويجمع القلوب كما تجمع الرمال الذهبية. لم يكن مهووساً بالمناصب؛ لكنه كان مهتماً بكسب الثقة التي تبني جسوراً لا تهدم. هكذا ظل "ود التوم": راوياً للتاريخ، صانعاً للحاضر، وصديقاً للجميع. في كل سطر يكتبه، يهمس للوطن: "أنا هنا، أحفظ الماضي، أبني المستقبل".