إطالة الفترة الانتقالية… هي أساس تفكيك الوطن وضياع الشعب
جلال الدين محمد ابراهيم
✍️ الصفر البارد
14 Sep 2026
•
👁 5
لم يعرف التاريخ السياسي الحديث أن حكومة انتقالية استمرت أكثر من عام واحد قبل إجراء الانتخابات، إلا في السودان. ففي كل دول العالم التي مرت بتحولات سياسية، من أوروبا الشرقية إلى أمريكا اللاتينية، ومن آسيا إلى أفريقيا، كانت الفترات الانتقالية قصيرة ومحدودة، تُدار بسلطة تصريف أعمال لا تتجاوز السنة، ثم يُعاد الأمر إلى الشعب ليختار ممثليه. أما في السودان، فقد صار الانتقال ذريعة للتمديد، والتمديد أكبر وسيلة للتفكيك والدمار.
تاريخ السودان نفسه يشهد بذلك؛ فحكومة سر الختم الخليفة، التي جاءت بعد ثورة أكتوبر 1964 عقب نظام إبراهيم عبود، لم تستمر أكثر من سنة واحدة، ثم جرت الانتخابات. وبعد سقوط نظام النميري عام 1985، رفض الفريق عبد الرحمن سوار الذهب الاستمرار في الحكم أكثر من سنة، رغم الإلحاح عليه، وسلّم السلطة للمدنيين المنتخبين. هكذا كانت القاعدة: سنة واحدة، ثم انتخابات. لم يقل أحد حينها: “الانتخابات ما بتجيبنا”، ولم يطالب أحد بفترة انتقالية عشر سنوات.
لكن ما حدث بعد سقوط نظام الإنقاذ كان مختلفاً؛ تكاثرت الأحزاب والقحاطة، واشتدت الأطماع في السلطة، وتعالى خطاب التبجح والتعالي. قال بعضهم صراحة: “غير مسموح لأي جهة بالخروج في مظاهرات”، ثم قالوا: “الحكومة حكومتنا، ونحن فقط من يخرج في مظاهرات”. وكأنهم بذلك منعوا الشعب كله من التعبير عن رفضه لما صنعه البعض من تعطيل للحياة وإفساد للانتقال. وهكذا تحولت الفترة الانتقالية من جسر عبور إلى غرفة انتظار مفتوحة، ومن مرحلة عابرة إلى وطن يُدار بغير منطق.
ثم تبجح أحدهم في فيديو موجود عبر الوسائط، وقال بالنص: (نحن ما عايزين انتخابات لأن الانتخابات ما بتجيبنا). وهذا اعتراف بالنص أنه رجل وحزبه لا وزن لهما في التواجد في الساحة السياسية أو بين الشعب؛ ولذلك حرص هذا الشخص ومن لف لفه على أن تطول الفترة الانتقالية إلى عشر سنوات، حسب ما ظن هو ومن معه من الأنعام. كذلك نشاهد من يتبجح أنه لن يتفق مع توحيد القوات المسلحة، ولن يتفق مع الدمج، كل ذلك من أجل أن يظل البعض جاثماً على صدر الوطن، يمتص من كل الإيرادات ويحولها إلى شخصه أو إلى جهويته. فالبعض لا يريد توحيد الجيش والقوات؛ لأنه يظن في نفسه أنه قادر على تحويل كل السودان إلى مصلحته الشخصية، وهنا مربط (النعير).
والآن، مرت على الشعب ثماني سنوات عجاف، مرت على السودان، دُفعت فيها دماء غالية، وشُرّد ملايين، ودُمّرت مدن، وانتشرت الفوضى. وكل ذلك بسبب من قال: “الانتخابات ما بتجيبنا”، ومن طالب بتمديد الفترة الانتقالية، ومن رفض تسليم السلطة للشعب. لقد كانت إطالة الفترة الانتقالية هي الأساس الحقيقي لتفكيك الوطن؛ لأنها أفرغت الدولة من شرعيتها، وفتحت الباب لكل من يحمل السلاح أن يفرض أمره، ولكل من يطمع في السلطة أن يعطل الحياة.
ولو كنت في مقام الرئيس البرهان لكان اول امر أقوم به الان ان يتم ارسال كل القوات المسلحة والحركات المسلحة المتواجد في كل الولايات الامنة الي دارفور وتحرير الفاشر ونيالا اليوم قبل غدا و قبل ان يجتمع مجلس الامن مرة أخرى في شهراكتوبر القادم لتفاجى العالم كله بتحرير عموم السودان ،، وكنت خطط الي انهاء الفترة الانتقالية بسنة فقط وكنت شطبت 3 أحزاب شطب نهائي من التسجيل في مسجل الأحزاب ( ؟ )
لذلك اليوم، نطالب بالاستعجال في إنهاء هذه الفترة الانتقالية التي استمرت ثماني سنوات، ونطالب بدمج كل القوات المسلحة والحركات المسلحة في جيش واحد فقط، لا جيوش متعددة، ولا ميليشيات متنافسة. نريد جيشاً وطنياً واحداً يحمي السودان، لا جيشاً لكل حزب، ولا قوة لكل زعيم. وأهم من كل هذا هو أننا نطالب بالاستعجال في تحرير الفاشر ونيالا؛ لأن تعطيل تحرير الفاشر ونيالا يعني استمرار المعاناة، وإطالة أمد الفترة الانتقالية، ويؤجل الحل، ويزيد التمزيق. (وهنا مربط الأفكار التي تهدم الوطن وتصنع الانفصالات).
آخر المداد
قد لا يتفق معي بعض أصحاب الهوى الشخصي في إطالة الانتظار من أجل تحرير دارفور عامة؛ فإن التأخير في تحرير دارفور يعني أن يظل الوضع على ما هو عليه، وعلى المتضرر من الوضع أن يصبح لاجئاً في دول الشتات. لقد سئم الشعب من المط والتمديد وعدم التقدير، وحتى عدم لفت الانتباه إلى معاناة الشعب. (لقد بلغ السيل الزبى). لا مزيد من المط والشد، ولا مزيد من محاولات التأخير. إن تأخير كسح وتحرير الفاشر ونيالا لن يفيد الشعب إلا في التمزيق وتمديد الفترة الانتقالية. آن الأوان ليتوقف هذا النمط من الفكر. الشعب يريد أن يُبنى السودان على أساس جيش واحد، وانتخابات حرة، وفترة انتقالية لا تتجاوز السنة، كما كان يفعل الأجداد، وكما تفعل كل الأمم التي تحترم شعوبها. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد.
تنويه:
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع
صدى الحقيقة.