يقولون إن الجيوش وحدها لا تنتصر، وإنما تنتصر عندما يصبح الشعب سندًا لها، ويؤمن بأن معركتها هي معركته، وأن بقاءها يعني بقاء الوطن نفسه.
وهذا ما حدث في السودان.
فكلما امتدت الحرب، وكلما ازدادت معاناة المواطنين من القتل والنزوح والنهب، اتسعت دائرة الالتفاف الشعبي حول القوات المسلحة. لم يعد السؤال: من سيحكم السودان؟ بل أصبح السؤال: كيف نحافظ على السودان؟
أدرك المواطن البسيط أن الحرب لم تعد تستهدف مؤسسة عسكرية فحسب، وإنما تستهدف الدولة بكل مكوناتها، وتستهدف تاريخ السودان ووحدته وسيادته. وعندما يصل الخطر إلى هذه المرحلة، يصبح الدفاع عن الوطن واجبًا لا يختص بالعسكري وحده، بل يشمل كل قادر على العطاء.
فأُعلن الاستنفار.
ومن أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، تدافع السودانيون، كلٌ بحسب استطاعته. حمل الجنود أسلحتهم، وحمل المدنيون مسؤولياتهم. فمنهم من التحق بصفوف المقاومة الشعبية، ومنهم من أسند القوات المسلحة بالدعم والإمداد، ومنهم من فتح بيته للنازحين، ومنهم من وقف في المستشفيات يعالج الجرحى، ومنهم من ظل يرفع معنويات المقاتلين بالكلمة الصادقة والدعاء.
لقد أثبت السودانيون أن الوطنية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، وإنما موقف يُتخذ ساعة الشدة.
وفي ميادين القتال، كانت القوات المسلحة تخوض واحدة من أعقد حروب المدن في العصر الحديث، تواجه خصمًا يتحصن بين الأحياء السكنية، ويستغل المدنيين والمرافق العامة، الأمر الذي فرض على القيادة العسكرية أن توازن بين تحقيق أهدافها العسكرية وتقليل الخسائر وسط المدنيين.
وكان ذلك يتطلب صبرًا، وحكمة، وانضباطًا، أكثر مما يتطلب الاندفاع.
ولم تكن القوات المسلحة وحدها في الميدان، بل وقفت إلى جانبها القوات المشتركة، والقوات الخاصة، وجهاز المخابرات العامة، والشرطة السودانية، والمستنفرون، وكل من حمل همَّ الدفاع عن السودان.
وكان لكل قوة دورها، ولكل شهيد قصته، ولكل جريح وسامٌ لا يُرى، لكنه محفور في ذاكرة الوطن.
وفي المقابل، كانت المليشيا تراهن على أن طول أمد الحرب سيُضعف إرادة السودانيين، ويزرع اليأس في نفوسهم، غير أن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا. فكل جريمة، وكل منزل يُنهب، وكل أسرة تُهجَّر، كانت تزيد قناعة الناس بأن استعادة الدولة أصبحت ضرورة لا خيارًا.
لقد أثبتت هذه الحرب حقيقة يعرفها السودانيون منذ الاستقلال، وهي أن القوات المسلحة ليست جسمًا منفصلًا عن الشعب، وإنما هي جزء منه. فجندي اليوم هو ابن هذه القرية، أو ذلك الحي، أو تلك المدينة، يرتدي الزي العسكري، لكنه يحمل هموم أهله وأحلامهم، ويقاتل من أجل أن يعودوا إلى بيوتهم آمنين.
ومن هنا، لم يكن التلاحم بين الجيش والشعب حدثًا استثنائيًا، بل كان عودة إلى الأصل. فكلما اشتدت المحن، سقطت الخلافات، وارتفع صوت الوطن فوق كل الأصوات.
لقد أراد المتمردون أن يعزلوا القوات المسلحة عن شعبها، لكنهم فوجئوا بأن الشعب كله أصبح خندقًا واحدًا، وأن الوطن عندما يُستهدف، لا يسأل السوداني عن قبيلة أو حزب أو جهة، وإنما يسأل: كيف نحمي السودان؟
وهكذا، بدأت صفحة جديدة من صفحات هذه الحرب، عنوانها أن إرادة الشعوب قد تكون أقوى من السلاح، وأن الجندي الذي يشعر أن خلفه أمة كاملة، يقاتل بروح لا تعرف الانكسار.
وللحديث بقية...