صدى الحقيقة

المجلس القومي للأدوية والسموم في حوار فوق العادة.. من تداعيات الحرب إلى إعادة بناء منظومة الدواء بالبلاد

المجلس القومي للأدوية والسموم في حوار فوق العادة.. من تداعيات الحرب إلى إعادة بناء منظومة الدواء بالبلاد
حوارات وتحقيقات
05 Oct 2026 👁 198
شارك الخبر:

وكالة السودان للأنباء: سمية عبد النبي

يضطلع المجلس القومي للأدوية والسموم بدور محوري في حماية صحة المواطن وضمان مأمونية وجودة وفاعلية الأدوية والمستحضرات الصيدلانية والمستلزمات الطبية ومستحضرات التجميل المتداولة في السودان، من خلال مهام التسجيل والرقابة والتفتيش والفحص والتحليل، بالتنسيق مع الجهات والمؤسسات ذات الصلة.

وقد واجه المجلس، شأنه شأن مؤسسات الدولة والقطاع الصحي، تداعيات كبيرة جراء الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، طالت بنيته التحتية ومقره ومختبراته وممتلكاته، وأدت إلى نزوح أعداد من العاملين، فضلاً عن تأثيرات الحرب على الصناعة الدوائية وسلاسل الإمداد والاستيراد والتوزيع.

ورغم هذه التحديات، واصل المجلس أداء مهامه، واتخذ جملة من الإجراءات لضمان استمرار الرقابة وانسياب الأدوية والمستلزمات الطبية، بالتوازي مع جهود إعادة تأهيل مؤسساته ومختبراته وتطوير أنظمته الإلكترونية والفنية.

وفي هذا الحوار مع وكالة السودان للأنباء (سونا)، يستعرض الامين العام للمجلس القومي للأدوية والسموم الدكتور محمد بشير، مسيرة التطوير المؤسسي التي سبقت الحرب، وحجم الأضرار التي لحقت به، وتداعيات الحرب على الإمداد الدوائي والصناعة الوطنية، ومستوى توفر الأدوية حالياً، وحجم الواردات الدوائية، إلى جانب جهود مكافحة التهريب وتشديد الرقابة على المنافذ والأسواق.

كما يتناول الحوار إجراءات ضمان جودة وسلامة الأدوية المحلية والمستوردة، والتعامل مع الأدوية النفسية والمخدرة، وتنظيم استيراد الأدوية بواسطة المنظمات، ومستقبل المختبر الوطني للرقابة والبحوث الدوائية، فضلاً عن خطط إعادة بناء المجلس وتطوير قدراته، ورؤيته للانتقال من مرحلة الاستجابة للأزمات إلى بناء مؤسسة رقابية أكثر قوة واستدامة، وصولاً إلى استهداف ترفيعه إلى هيئة الغذاء والدواء السودانية والتأهل لمستوى النضج الرابع وفق إطار منظمة الصحة العالمية، فإلى مضابط الحوار:

اختصاصات المجلس

ما اختصاصات المجلس القومي للأدوية والسموم؟

المجلس هو الجهة الرقابية والتنظيمية المختصة بالأدوية والمستحضرات الصيدلانية والمستلزمات الطبية ومستحضرات التجميل، ويضطلع بمهام التسجيل والرقابة والتفتيش وضمان مأمونية وجودة وفاعلية المنتجات المتداولة. ويعمل بالتنسيق مع وزارة الصحة الاتحادية، ومعمل «استاك»، وهيئة المواصفات والمقاييس، ووزارة الثروة الحيوانية، والجمارك والأمن الاقتصادي والأجهزة الرقابية الأخرى. ويتكون من ست إدارات عامة متخصصة، إلى جانب مجلس إدارة ولجان فنية واستشارية، كما يمتلك فروعاً بالولايات تعمل وفق قانون المجلس لسنة 2009 واللوائح المنظمة لعمله.

مسار التطوير وآثار الحرب

هل بدأ المجلس مساراً للتطوير المؤسسي قبل اندلاع الحرب؟

نعم. قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023، كان المجلس يمضي في مسار واضح للتطوير المؤسسي، وكانت هناك خطة استراتيجية تستهدف تعزيز النظام الرقابي، وتحسين الإجراءات، وتطوير النظام الإلكتروني، وتأهيل الكوادر، وتعزيز العلاقات الدولية، ودعم الصناعة الدوائية الوطنية.

كان الهدف أن نرتقي بمستوى أداء المؤسسة الرقابية وفق المعايير الدولية، وأن نعمل على بناء منظومة أكثر كفاءة واستدامة.

وفي تلك المرحلة شهدت إجراءات التسجيل تقدماً ملحوظاً من حيث التسريع والتسهيل في الاجراءات، كما توسعت الشراكات مع المؤسسات الدولية والجهات النظيرة، وعمل المجلس على تطوير قدرات المختبر الوطني للرقابة والبحوث الدوائية وإدخال التقنيات والأجهزة الحديثة.

ماذا حدث للمجلس بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023؟

صورة داخل التقرير

الحرب كانت اختباراً حقيقياً للمؤسسات الوطنية بصورة عامة، وللقطاع الدوائي بصورة خاصة. تعرضت البنية التحتية للمجلس لأضرار كبيرة، وتأثر المقر والمختبر، وفقد المجلس ممتلكاته واصوله ونهبت متحركاته كما تعرض المبنى لحريق جزئي وكذلك المختبر، وللوضع بالبلاد نزح عدد كبير من العاملين بالمجلس الى ولايات السودان المختلفة والخارج.

لكن الرسالة لم تتوقف.

كان السؤال أمامنا: كيف يمكن أن تستمر مؤسسة مسؤولة عن الدواء عندما تتعرض المؤسسة نفسها لظروف الحرب؟

كانت الإجابة هي إعادة ترتيب الأولويات، والاستمرار من المواقع المتاحة، وتفعيل الفروع، وتعزيز العمل في الولايات، والاستفادة من الشراكات الوطنية والدولية.

انتقل العمل إلى مواقع بديلة، واتخذ المجلس من بورتسودان مقراً مؤقتاً لأعماله، كما تم دعم العمل في عدد من الولايات، واستمرت المتابعة الرقابية والتسجيل والترخيص والتفتيش وفق الظروف والإمكانات المتاحة.

ما حجم الأضرار التي تعرض لها المجلس نفسه خلال الحرب؟

تعرض المجلس لخسائر وأضرار مادية كبيرة نتيجة الحرب، وشملت الأضرار المختبر التابع للمجلس، وقدرت قيمة الأضرار ما يقارب 6 ملايين دولار. ورغم ذلك، استمر المجلس في أداء مهامه الرقابية والتنظيمية والعمل على استعادة قدراته تدريجياً.

الإمداد الدوائي خلال الحرب

هل أثرت الحرب على الإمداد الدوائي؟

بالتأكيد. الحرب أثرت في المصانع والمخازن والصيدليات وسلاسل الإمداد والنقل والتمويل، وبالتالي انعكست بصورة مباشرة على توفير عدد من الأدوية، خاصة الأدوية المنقذة للحياة وأدوية الأمراض المزمنة.

كان لا بد من العمل على فتح قنوات الاستيراد، وتسهيل الإجراءات، وتشجيع الصناعة الوطنية، وضبط قنوات التوزيع، ومكافحة التهريب، الوضع الدوائي مطمئن ومستقر.

ما الإجراءات التي اتخذها المجلس لضمان استمرار توفر الدواء أثناء الحرب؟

اتخذ المجلس عدداً من الإجراءات الاستثنائية التي تتناسب مع ظروف الحرب والطوارئ، من بينها تسهيل إجراءات الاستيراد، وتوسيع قنوات العمل من خلال افرع المجلس بالولايات، وتعزيز التعاون مع الجهات النظيرة والمؤسسات الدولية، ودعم التصنيع التعاقدي، وتحديث بعض الإجراءات واللوائح بما يتناسب مع الظروف الاستثنائية للطوارئ.

كما تم تعزيز التعاون مع الجهات الرقابية الوطنية، ومع المؤسسات النظيرة خارج السودان، ومن بينها هيئة الدواء المصرية، بما يساعد في استمرار انسياب المنتجات الدوائية وفق الضوابط المطلوبة.

وكانت الأولوية دائماً هي ألا تتوقف منظومة الدواء، وأن يستمر وصول المنتجات الدوائية والمستلزمات الطبية إلى المواطن رغم الظروف.

الصناعة الدوائية المحلية

صورة داخل التقرير

وماذا عن الإنتاج المحلي خاصة بعد الأضرار التي لحقت بالمصانع خلال الحرب؟

قبل اندلاع الحرب كان هناك نحو 28 مصنعاً دوائياً تعمل في البلاد، وقد تمكن 13 مصنعاً حتى الآن من استئناف الإنتاج. وتشمل المصانع التي عادت إلى دائرة الإنتاج مجالات الأدوية والمستلزمات الطبية وإنتاج الأكسجين، وهو أمر مهم في دعم الإمداد الدوائي والصحي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

كيف تصفون الموقف الدوائي في السودان في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد؟

يمكن القول إن الموقف الدوائي في السودان مطمئن، رغم التحديات الكبيرة التي فرضتها الحرب والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للقطاع الدوائي، ويواصل المجلس جهوده لضمان توفر الأدوية وانسيابها والعمل على معالجة التحديات التي تواجه القطاع.

حجم الواردات الدوائية

ما حجم الأدوية التي تم استيرادها خلال الفترة الماضية؟

خلال العام 2025 بلغت قيمة واردات الأدوية نحو 409 ملايين دولار، بينما بلغت قيمة واردات الأدوية خلال النصف الأول من العام 2026 نحو 235 مليون دولار للأدوية البشرية، إضافة إلى نحو 12 مليون دولار للأدوية البيطرية، بإجمالي يقارب 247 مليون دولار خلال ستة أشهر. وتعكس هذه الأرقام استمرار حركة الاستيراد والعمل على توفير الاحتياجات الدوائية للبلاد.

رقابة المنافذ ومكافحة التهريب

ماذا عن الرقابة على الأدوية التي تدخل عبر المنافذ والحدود؟

السودان لديه حدود واسعة وعدد كبير من المعابر، وهذا يجعل الرقابة تحدياً كبيراً، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية.

عمل المجلس على تعزيز الرقابة على المنافذ بالتنسيق مع هيئة الجمارك والأجهزة الأمنية المختصة والجهات ذات الصلة الأخرى، وهناك توجه لتعزيز وجود المجلس في المعابر، لأن الرقابة تبدأ من نقطة دخول الدواء.

كما أن مكافحة التهريب لا تعتمد على ضبط المنافذ فقط، وإنما تشمل تسجيل المنتجات، وضبط الاستيراد، ومتابعة المخازن، والرقابة على التوزيع، والتأكد من عدم دخول المنتجات غير المسجلة أو غير المطابقة إلى قنوات التداول.

الصناعة الدوائية الوطنية

ما وضع الصناعة الدوائية الوطنية في ظل الظروف الحالية؟

الصناعة الوطنية تمثل أحد أهم عناصر الأمن الدوائي في السودان.

وقد أثبتت المصانع الوطنية أهميتها بصورة واضحة خلال الأزمات، خاصة عندما تأثر الاستيراد، واستطاعت بعض المصانع توفير عدد من الأدوية الأساسية والمضادات الحيوية والمسكنات (خلال فترة كورونا).

لكن الصناعة الوطنية تواجه تحديات، وفي مقدمتها التمويل، وتوفير النقد الأجنبي، وارتفاع تكلفة مدخلات الإنتاج والطاقة والنقل، إضافة إلى الحاجة لتحديث خطوط الإنتاج.

لدينا مصانع قائمة تعمل، وهناك مشروعات صناعية تحتاج إلى التمويل حتى تدخل الإنتاج أو توسع طاقتها، ولذلك فإن دعم الصناعة الوطنية ليس دعماً لقطاع اقتصادي فقط، وإنما هو استثمار مباشر في الأمن الدوائي للسودان.

الجودة وسلامة الدواء

كيف يضمن المجلس جودة وسلامة الأدوية؟

يخضع مجلس الأدوية المحلية والمستوردة للفحص والتحليل قبل تداولها، ولا تُجاز إلا بعد التأكد من مطابقتها للمواصفات المعتمدة، كما ينفذ زيارات رقابية للمصانع خارج السودان للتحقق من التزامها بالاشتراطات الفنية والطبية.

ماذا عن مشروعات التوسع في التصنيع الدوائي؟

توجد مشروعات لمصانع جديدة وتطوير خطوط إنتاج قائمة، ويعتمد تشغيلها على توفير التمويل والطاقة واستكمال المتطلبات الفنية، بما يدعم زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

الأدوية النفسية والمخدرة

صورة داخل التقرير

كيف يتعامل المجلس مع الأدوية النفسية والمخدرة؟

يوازن المجلس بين منع إساءة استخدام الأدوية الخاضعة للرقابة وضمان وصولها للمرضى المحتاجين لها. وتخضع هذه الأدوية لضوابط خاصة في الصرف والتداول، مع تعزيز التنسيق بين الجهات الصحية والأمنية للحد من التزوير وسوء الاستخدام، ودراسة تخصيص صيدليات محددة لصرفها وفق ضوابط واضحة تحمي المرضى والصيادلة.

كيف يمكن تحقيق التوازن بين تشديد الرقابة وتوفير الدواء للمريض؟

التشدد الرقابي لا ينبغي أن يعني حرمان المريض من العلاج.

المطلوب هو أن تكون الرقابة ذكية وموجهة، وأن نعرف من هو المريض الذي يستحق الدواء، وأن نضبط الوصفة الطبية، وأن نمنع التزوير والتلاعب، وأن نوفر في الوقت نفسه منافذ آمنة ومعلومة للحصول على العلاج.

وهذا يتطلب تطوير الأنظمة الإلكترونية وربط الجهات ذات الصلة، إلى جانب التعاون المستمر مع الأجهزة الأمنية والجهات الصحية.

أسعار الأدوية

ماذا عن أسعار الأدوية في ظل ارتفاع سعر الصرف؟

جزء كبير من الأدوية في السودان يعتمد على الاستيراد، وبالتالي فإن سعر الصرف وتكاليف الشحن والنقل والتأمين ومدخلات الإنتاج تؤثر بصورة مباشرة على السعر النهائي.

المجلس لديه لجنة للأسعار ولائحة تنظم عملية التسعير، ويتم احتساب السعر وفق الأسس والضوابط المعتمدة.

لكن مشكلة السعر ليست مشكلة المجلس وحده؛ فهي مرتبطة بالاقتصاد الكلي، والتمويل، وسعر الصرف، وتكلفة الاستيراد والإنتاج والنقل.

لذلك فإن معالجة الأسعار تحتاج إلى حزمة متكاملة من السياسات، تشمل دعم الصناعة الوطنية، وتوفير النقد الأجنبي، وتحسين سلاسل الإمداد، وضبط التوزيع.

أدوية المنظمات

ما دور المجلس في تنظيم استيراد الأدوية بواسطة المنظمات؟

المنظمات يمكن أن تلعب دوراً مهماً في المناطق التي تعاني من ضعف الخدمات الصحية، خاصة المناطق النائية والمتأثرة بالأزمات.

لكن العمل الإنساني لا يعني غياب الرقابة.

هناك ضوابط فنية صادرة من المجلس تحكم عمل المنظمات بالمركز والولايات.

كما يقوم المجلس بمراجعة المنتجات والتأكد من سلامتها قبل تداولها، ويمكن أن يرفض أي منتج أو مخزن لا يستوفي المتطلبات الفنية.

الهدف هو تحقيق معادلة بين تسهيل وصول المساعدات الدوائية إلى المحتاجين وضمان سلامة وجودة تلك المنتجات.