قراءة في تصريحات الباحث الأمريكي حول تحالف صمود وموقفه من الحرب السودانية
أعاد الباحث والمحلل الأمريكي المتخصص في الشأن الأفريقي كاميرون هيدسون، فتح النقاش حول موقف تحالف «صمود» من الحرب السودانية، بالتزامن مع تحركات التحالف في نيويورك للترويج لرسالته السياسية المناهضة للحرب.
وقال هيدسون إن الرسالة التي يحملها وفد «صمود» كانت ستصبح، من وجهة نظره، «أكثر مصداقية بكثير» لو أن قيادة التحالف اتخذت خطوات واضحة تجاه ما وصفه بعلاقاتها مع الإمارات، إلى جانب اتخاذ موقف صريح من الانتهاكات المنسوبة إلى مليشيا الدعم السريع المتمردة.
وتأتي تصريحات هيدسون في وقت يسعى فيه تحالف «صمود» إلى تقديم نفسه كإطار مدني يعمل على إنهاء الحرب والدفع باتجاه عملية سياسية تقود إلى حكم مدني ديمقراطي في السودان.
هيدسون: معارضة الحرب لا تعني تأييد الجيش
الفصل بين الموقف من الحرب والموقف من أطرافها
شدد هيدسون على نقطة اعتبرها أساسية في قراءة المشهد السوداني، وهي أن معارضة الحرب لا تعني بالضرورة تأييد القوات المسلحة السودانية، كما أن معارضة مليشيا الدعم السريع المتمردة* لا تعني تلقائياً تأييد الجيش.
ويأتي هذا الطرح في سياق الجدل المستمر حول القوى المدنية السودانية التي ترفع شعار إنهاء الحرب، وسط اتهامات متبادلة بين الأطراف السياسية بشأن الانحياز إلى أحد طرفي الصراع.
ويطرح موقف هيدسون تساؤلاً حول قدرة القوى المدنية على المحافظة على خطاب مستقل يقوم على رفض الحرب والانتهاكات من جميع الأطراف، مع تحديد المسؤوليات السياسية والقانونية عن الانتهاكات وفق الأدلة والتحقيقات.
انتقادات لعلاقة صمود بالإمارات
هيدسون يطالب بمواقف أكثر وضوحاً
انتقد هيدسون ما وصفه باستمرار وجود قيادات من «صمود» وأسرها في الإمارات، وكذلك ما قال إنه تلقي أموال أو دعم مرتبط بأبوظبي.
وبحسب التصريحات المنسوبة إليه، فإن الرسالة المناهضة للحرب ستكون أكثر قوة ومصداقية إذا اتخذت قيادة التحالف خطوات عملية تنأى بها عن أي مصادر دعم يمكن أن تثير تساؤلات حول استقلالية موقفها السياسي.
وهذه النقطة تمثل أحد أكثر الملفات حساسية في النقاش الدائر حول «صمود»، إذ إن مسألة التمويل والعلاقات الخارجية أصبحت جزءاً من الصراع السياسي والإعلامي المرتبط بالحرب السودانية.
الدعوة إلى إدانة جرائم مليشيا الدعم السريع المتمردة

موقف واضح من الانتهاكات
طالب هيدسون قيادة «صمود» بإدانة ما وصفه بجرائم مليشيا الدعم السريع المتمردة بصورة واضحة، معتبراً أن اتخاذ موقف صريح من الانتهاكات سيعزز الرسالة التي يقدمها التحالف للمجتمع الدولي.
ويأتي ذلك بينما أعلن «صمود» في بيانات سابقة تمسكه بوقف الحرب والدعوة إلى هدنة إنسانية، وإيصال المساعدات إلى المدنيين في جميع مناطق السودان، ورفض استمرار تعدد الجيوش والمليشيات.
وفي بيانه الصادر عقب اجتماع المكتب التنفيذي في نيروبي خلال يونيو 2026، دعا التحالف القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع المتمردة إلى قبول مقترح الهدنة الإنسانية، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية، والتهيئة لعملية سياسية يقرر خلالها السودانيون مستقبل بلادهم.
صمود: إبعاد الإسلاميين وبناء دولة مدنية
التحالف يتمسك بإقصاء الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني
في المقابل، أعلن «صمود» تمسكه بإبعاد الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني المحلول وواجهاتهما عن العملية السياسية، إلى جانب تفكيك ما يصفه التحالف بالتمكين داخل المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمة المدنية، وتقديم المطلوبين للعدالة.
كما أكد التحالف أن هدفه الأساسي يتمثل في وقف الحرب واستعادة مسار التحول المدني الديمقراطي، وإنهاء ظاهرة تعدد الجيوش والمليشيات، وبناء جيش مهني قومي واحد يخضع للسلطة المدنية الدستورية.
ويضع هذا الموقف «صمود» في مواجهة انتقادات من قوى سياسية وعسكرية ترى أن الأولوية يجب أن تكون لإنهاء التمرد واستعادة مؤسسات الدولة، بينما يتمسك التحالف برؤية تقوم على وقف الحرب وفتح الطريق أمام عملية سياسية مدنية.
هيدسون والتحذير من خلط المسارات
وقف الحرب أولاً أم إعادة ترتيب المشهد السياسي؟
كان هيدسون قد انتقد في وقت سابق بعض الطروحات السياسية المرتبطة بالعملية المدنية في السودان، محذراً من الربط المبكر بين وقف إطلاق النار وإعادة هيكلة الجيش أو إجراء إصلاحات سياسية واسعة.
وفي قراءة سابقة لإعلان نيروبي، نقلت الجزيرة عن هيدسون قوله إن الحديث عن إصلاح الجيش والإصلاحات السياسية ينبغي أن يبقى في مسارات منفصلة إلى أن يتراجع العنف، معتبراً أن الأولوية ينبغي أن تكون لوقف إطلاق النار.
ويكشف هذا الطرح عن خلاف جوهري بشأن ترتيب الأولويات: هل يبدأ المسار بوقف الحرب ثم تُبحث قضايا الدولة والجيش والتحول السياسي، أم يمكن معالجة هذه الملفات بالتوازي ضمن تسوية واحدة؟
تحالف صمود أمام اختبار المصداقية

بين الخطاب المناهض للحرب والأسئلة المتعلقة بالاستقلال السياسي
مع اتساع التحركات الدولية بشأن السودان، يجد تحالف «صمود» نفسه أمام اختبار سياسي يتعلق بمدى قدرته على إقناع السودانيين والمجتمع الدولي بأن مشروعه المدني مستقل عن أطراف الحرب والداعمين الإقليميين لها.
وفي المقابل، فإن انتقادات هيدسون نفسها تبقى مواقف وتحليلات سياسية وليست حكماً نهائياً على التحالف أو قياداته، فيما تتطلب الاتهامات المتعلقة بالتمويل والعلاقات الخارجية أدلة ووثائق يمكن التحقق منها.
وتبقى القضية الأوسع هي كيفية بناء موقف مدني سوداني قادر على رفض استمرار الحرب، وإدانة الانتهاكات ضد المدنيين، والدفع نحو وقف إطلاق النار، من دون أن يتحول الخطاب المناهض للحرب إلى اصطفاف سياسي مع أي طرف من أطراف الصراع.
الحرب السودانية.. معركة على الموقف المدني أيضاً
ما بين الجيش ومليشيا الدعم السريع المتمردة
أظهرت التطورات السياسية خلال الحرب أن الصراع لم يعد عسكرياً فقط، بل امتد إلى تشكيل المواقف المدنية والسياسية حول مستقبل الدولة السودانية.
فبينما ترفض قوى سودانية استمرار الحرب وتطالب بعملية سياسية، تتمسك قوى أخرى بأولوية حسم التمرد والحفاظ على مؤسسات الدولة، في حين تتعدد المبادرات الإقليمية والدولية الساعية إلى وقف القتال وفتح الطريق أمام تسوية سياسية.
وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات هيدسون أهمية باعتبارها جزءاً من النقاش الدولي حول القوى المدنية السودانية، لكنها في الوقت نفسه تفتح أسئلة أكبر أمام «صمود» حول الاستقلال السياسي، ومصادر التمويل، والموقف من انتهاكات مليشيا الدعم السريع المتمردة، وترتيب الأولويات بين وقف الحرب وإعادة بناء الدولة.
ملفات ستظل حاضرة
يبقى الموقف من الحرب السودانية أكثر تعقيداً من مجرد ثنائية التأييد أو الرفض لأحد طرفيها؛ إذ تتداخل فيه قضايا وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، والمحاسبة، ومستقبل الجيش، والتحول المدني، والعلاقات الإقليمية والدولية.
وبالنسبة لتحالف «صمود»، فإن المرحلة المقبلة ستضع خطابه السياسي أمام اختبار عملي: مدى قدرته على ترجمة شعاره المناهض للحرب إلى مواقف واضحة من الانتهاكات، وإثبات استقلالية قراره السياسي، والمساهمة في مسار يقود إلى سلام مستدام ودولة سودانية مدنية موحدة.
تكشف تصريحات كاميرون هيدسون أن الجدل حول القوى المدنية السودانية لم يعد يدور فقط حول رفض الحرب، وإنما حول كيفية تعريف الاستقلال السياسي، والموقف من أطراف الصراع، ومصادر الدعم الخارجي، وترتيب خطوات الانتقال من الحرب إلى السلام. وهي ملفات ستظل حاضرة في أي نقاش جاد حول مستقبل السودان السياسي.