صدى الحقيقة

إثيوبيا تدخل 2019 والعالم في 2026.. لماذا تعيش دولة واحدة بتقويم مختلف؟

إثيوبيا تدخل 2019 والعالم في 2026.. لماذا تعيش دولة واحدة بتقويم مختلف؟
المنوعات
12 Sep 2026 👁 10
شارك الخبر:

بينما كان العالم يستقبل 11 سبتمبر/أيلول 2026، كانت إثيوبيا تحتفل بدخول عام 2019 وفق تقويمها المحلي، في مشهد يعكس اختلافًا نادرًا في طريقة احتساب الزمن والتاريخ.

ففي إثيوبيا، حمل اليوم تاريخين في الوقت نفسه: الأول من شهر مسكرم عام 2019 إثيوبيًا، و11 سبتمبر/أيلول 2026 وفق التقويم الغريغوري.

ولا يعني ذلك أن إثيوبيا تعيش في الماضي، وإنما تستخدم نظامًا تقويميًا مختلفًا في تحديد بداية العام وترقيم السنوات، وهو تقويم ما زال حاضرًا في الحياة المدنية والثقافية والدينية للبلاد.

وتشير تقديرات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن عدد سكان إثيوبيا بلغ نحو 135.5 مليون نسمة في 2025، فيما يمتد استخدام التقويم الإثيوبي أيضًا إلى جماعات إثيوبية وإريترية تعيش خارج البلاد.

لماذا تحمل إثيوبيا الرقم 2019؟

يرتبط رأس السنة الإثيوبية، المعروف باسم إنكوتاتاش، ببداية شهر مسكرم، الذي يحل عادة في 11 سبتمبر/أيلول، بينما يأتي في 12 سبتمبر/أيلول في بعض السنوات وفق قواعد السنة الكبيسة.

وفي عام 2026، صادف الأول من مسكرم 11 سبتمبر/أيلول، لتبدأ إثيوبيا عامها 2019.

ويرتبط الاحتفال تقليديًا بانتهاء موسم الأمطار وظهور الزهور الصفراء في المرتفعات الإثيوبية، فيما يرتدي الأطفال الملابس الجديدة ويقدمون الزهور والرسومات للأسر، وتضاء النيران أمام المنازل عشية العام الجديد.

ويُعرف اسم "إنكوتاتاش" بمعنى "هدية الجواهر"، وترتبط به رواية شعبية عن ملكة سبأ، إلا أن هذه الرواية تبقى من الموروث التقليدي ولا يمكن التعامل معها باعتبارها واقعة تاريخية مثبتة بأدلة مستقلة.

قصة فارق السنوات الثماني

المفارقة الأكبر أن الرقم 2019 ليس نتيجة خطأ حسابي، بل يعود إلى اختلاف تاريخي في حساب بداية الحقبة المرتبطة بميلاد أو تجسد المسيح.

فقد اعتمد التقويم الإثيوبي حسابًا منسوبًا إلى أنيانوس الإسكندري في القرن الخامس الميلادي، بينما استخدم الراهب الروماني ديونيسيوس إكسيغوس في القرن السادس حسابًا مختلفًا أصبح لاحقًا أساس ترقيم السنوات في أوروبا وفق نظام "بعد الميلاد".

وأدى اختلاف الحسابين إلى فارق بلغ نحو سبع إلى ثماني سنوات بين التقويم الإثيوبي والتقويم الغريغوري.

لكن وصف إثيوبيا بأنها "متأخرة سبع سنوات" ليس دقيقًا دائمًا.

فمن الأول من يناير/كانون الثاني وحتى رأس السنة الإثيوبية في سبتمبر/أيلول، يكون الفرق في رقم السنة ثماني سنوات، بينما يصبح الفرق سبع سنوات بعد حلول العام الإثيوبي الجديد وحتى نهاية ديسمبر/كانون الأول.

ولهذا كانت إثيوبيا في بداية يناير 2026 لا تزال في عام 2018، قبل أن تنتقل في 11 سبتمبر إلى عام 2019.

13 شهرًا.. لكن السنة ليست أطول

ومن أكثر ما يثير الدهشة في التقويم الإثيوبي أنه يتكون من 13 شهرًا.

لكن هذا لا يعني أن السنة الإثيوبية أطول من السنة الغريغورية.

فالشهور الاثنا عشر الأولى تضم 30 يومًا لكل شهر، أي 360 يومًا، ثم يأتي الشهر الثالث عشر، المعروف باسم "باغومي"، ويضم خمسة أيام في السنة العادية وستة أيام في السنة الكبيسة.

وبذلك يصبح مجموع أيام السنة 365 يومًا أو 366 يومًا، كما هو الحال في التقويم الغريغوري.

والاختلاف هنا ليس في طول السنة الفلكية، وإنما في طريقة تقسيم أيامها وترقيمها.

ويرتبط هذا النظام بالتقويم الإسكندري والتقويم القبطي، اللذين يشتركان في البنية نفسها تقريبًا.

ليس التاريخ وحده مختلفًا.. حتى الساعة لها حساب آخر

المفارقة الإثيوبية لا تتوقف عند التقويم.

ففي الحياة اليومية، يستخدم كثير من الإثيوبيين نظامًا محليًا لقراءة الساعة يبدأ من شروق الشمس بدلًا من منتصف الليل كما هو متعارف عليه عالميًا.

وعلى سبيل المثال، فإن الساعة السابعة صباحًا وفق التوقيت الدولي تكون في النظام الإثيوبي عند الساعة الواحدة، بينما تبدأ دورة جديدة عند غروب الشمس.

وبذلك قد يحمل الموعد نفسه توقيتين مختلفين بحسب النظام المستخدم، وهو ما يجعل فهم السياق المحلي ضروريًا عند تحديد المواعيد في إثيوبيا.

إثيوبيا ليست وحدها

اختلاف أرقام السنوات ليس ظاهرة إثيوبية فريدة.

ففي سبتمبر/أيلول 2026، كان التقويم الهجري يشير إلى عام 1448، بينما كان التقويم الهجري الشمسي الإيراني في عام 1405، والتقويم العبري في عام 5787.

ويبدأ التقويم الهجري من هجرة النبي محمد من مكة إلى المدينة عام 622 ميلادية، لكنه يعتمد الدورة القمرية، ولذلك تقل سنته عن السنة الشمسية بنحو 11 يومًا.

أما التقويم العبري فيجمع بين الحسابين الشمسي والقمري، ويضيف شهرًا في سنوات محددة للمحافظة على ارتباط الشهور بالمواسم.

وفي إيران، يستخدم التقويم الهجري الشمسي الذي يجعل الهجرة نقطة بداية لترقيم السنوات، لكنه يعتمد الدورة الشمسية ويبدأ العام مع الاعتدال الربيعي.

زمن واحد.. وتواريخ متعددة

ورغم الانتشار العالمي للتقويم الغريغوري، حافظت إثيوبيا على نظامها التقويمي بوصفه جزءًا من هويتها الثقافية والدينية، مع استخدام التقويم الغريغوري في مجالات مثل الطيران والتجارة والعلاقات الدولية.

وهكذا يمكن أن يعيش الإنسان في إثيوبيا في عام 2019 و2026 في الوقت نفسه، من دون أي تناقض.

فالزمن واحد، ودورة الأرض حول الشمس واحدة، لكن الإنسان هو من يمنح السنة رقمها، ويحدد متى تبدأ، وكيف يقسم أيامها.

ولهذا فإن دخول إثيوبيا عام 2019 في سبتمبر/أيلول 2026 ليس عودة إلى الماضي، بل تذكير بأن التقويم الذي نستخدمه ليس الزمن نفسه، وإنما طريقة بشرية لتنظيمه وقياسه.

المصدر: بي بي سي عربي