صدى الحقيقة

توسيع نطاق الدفاع عن النفس في القانون الدولي: بين مشروعية الرد وحدود استهداف الدول الحليفة

توسيع نطاق الدفاع عن النفس في القانون الدولي: بين مشروعية الرد وحدود استهداف الدول الحليفة
تقارير
13 Apr 2026 👁 9
شارك الخبر:

في النزاعات الحديثة لم يعد الجدل القانوني مقتصراً على تحديد الطرف الذي بادر بالهجوم، بل امتد ليشمل نطاق الردود العسكرية تحت ذريعة الدفاع عن النفس، وحدود مشروعية توسيع هذه الردود خارج أراضي الدولة المعتدية. ويبرز هذا الإشكال بوضوح في الحالة الإيرانية، في ظل ما أُشير إليه من ضربات طالت أهدافاً داخل دول ترتبط بعلاقات أو تعاون عسكري مع أطراف النزاع، ما يثير تساؤلات حول مدى قانونية اعتبار هذه الدول جزءاً من ساحة الرد.

يستمد حق الدفاع عن النفس أساسه من المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، باعتباره استثناءً على الحظر العام لاستخدام القوة. غير أن هذا الحق ليس مطلقاً، إذ تحكمه قيود صارمة تتعلق بوقوع “هجوم مسلح” أولاً، وبشرطي الضرورة والتناسب ثانياً. وبناءً على ذلك، فإن أي تقييم قانوني لشرعية الرد العسكري يظل مرهوناً بتكييف طبيعة الهجوم ذاته، ومدى انطباق هذا التوصيف عليه وفق المعايير الدولية.

وفي الحالة الإيرانية، تستند الحجة القانونية المطروحة إلى أن ما تعرضت له يرقى إلى مستوى “الهجوم المسلح”، بما يتيح تفعيل حق الدفاع عن النفس. وقد دعمت إيران هذا التوجه عبر مخاطبات رسمية لمجلس الأمن تؤكد فيها أنها تتحرك ضمن الإطار القانوني للمادة (51). ومع ذلك، فإن هذا الاستناد لا يحسم وحده مسألة الشرعية، إذ يبقى الجدل قائماً حول توصيف الوقائع ومدى انطباق شروط الضرورة والتناسب على طبيعة الردود المنفذة.

أما الإشكال الأكثر تعقيداً فيتمثل في مدى جواز امتداد الدفاع عن النفس إلى أراضي دول لم تشارك مباشرة في الهجوم، لكنها تقدم دعماً لوجستياً أو تستضيف قوات أجنبية. فوفقاً لطرح موسع، قد يُنظر إلى هذه الدول باعتبارها فقدت حيادها، إذا ثبت استخدام أراضيها في العمليات العدائية أو علمها بها.

ويستند هذا الطرح جزئياً إلى قواعد مسؤولية الدول في القانون الدولي، التي قد تُحمّل الدولة المسؤولية إذا قدمت دعماً في ارتكاب فعل غير مشروع مع علمها به. كما يُستشهد بقرار الجمعية العامة رقم 3314 المتعلق بتعريف العدوان، والذي يوسع مفهوم الاشتراك في العدوان ليشمل حالات استخدام الإقليم في دعم العمليات العسكرية.

إلا أن هذا التوسع يظل محل جدل واسع، إذ إن القاعدة التقليدية في القانون الدولي تقوم على تمييز واضح بين الدولة المنخرطة في النزاع وتلك التي تبقى خارجه. فمجرد استضافة قواعد أو تقديم تسهيلات لا يكفي، في الغالب، لاعتبار الدولة طرفاً في العدوان ما لم يثبت تورط مباشر أو علم مؤكد باستخدام أراضيها في الهجوم.

ومن ثم، فإن اعتبار هذه الدول أهدافاً مشروعة ضمن إطار الدفاع عن النفس يظل مسألة خلافية، تنطوي على مخاطر تتعلق بتآكل مفهوم الحياد وتوسيع نطاق النزاعات المسلحة. فكل توسع في تعريف “الهدف المشروع” ينعكس بالضرورة على اتساع رقعة النزاع، ويضعف القيود التي يفترض أن تحكم استخدام القوة.

في المحصلة، لا تتوقف الإشكالية عند حدود تبرير سلوك دولة بعينها، بل تمتد إلى اختبار قدرة النظام القانوني الدولي على ضبط أحد أهم استثناءاته على حظر استخدام القوة. فبين تفسير موسع للدفاع عن النفس، ونص قانوني يسعى لتقييده، يبقى التوتر قائماً بين منطق الضرورة العسكرية ومنطق النظام الدولي.

وهكذا، يظل السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان الدفاع عن النفس سيبقى أداة لحماية الدول من العدوان، أم أنه يتجه تدريجياً نحو إعادة رسم حدود النزاعات، بما قد يغير طبيعة الحياد ويجعل نطاق الصراع أكثر اتساعاً وتعقيداً.

📰 المصدر: الجزيرة