صدى الحقيقة

الحركات: تحالف ظرفي وتجاوز دائم

د. ياسر محجوب الحسين
د. ياسر محجوب الحسين
✍️ كتابات حرة
17 Jun 2026 👁 23
شارك الخبر:

منذ أن كتبنا قبل أسابيع عن "جمهورية المليشيات" ونبهنا إلى خطورة الوضع، تتزايد باستمرار تفلتات الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا. تركت هذه الحركات النضال والكفاح في دارفور لتتمركز وتتموضع داخل المدن والأحياء السكنية، تذيق المواطنين الآمنين الويل والثبور، وتؤكد يوما بعد يوم أنها مليشيات بحق، تعمل خارج إطار الدولة والقانون.

في خضم الحرب ضد مليشيا الدعم السريع، برز تحالف بعض هذه الحركات مع القوات المسلحة، ولم يعد يُطلق عليها "مليشيات"، بل قوى كفاح مسلح. لكن الواقع يفضح الحقيقة: رفض الالتزام بشروط اتفاق جوبا، واستمرار التجاوزات الأمنية.

إن اتفاق جوبا، الموقع في 3 أكتوبر 2020، نص بوضوح على ترتيبات أمنية مهنية؛ تشمل دمج قوات الحركات في القوات المسلحة أو الأجهزة الأمنية على مراحل، مع تسريح ونزع سلاح وإعادة دمج (DDR) للبقية في الحياة المدنية. لم يكن الاتفاق يمنح جعلا ثابتا ب(٧٥٠ مليون دولار) من خزينة فارغة لجيوب قادة الحركات وإنما لتنمية دارفور، كما يطالب قبل ذلك باندماج مهني يحفظ هيبة الدولة ويبني جيشا وطنيا موحدا.

ومع ذلك، أبت هذه الحركات إلا أن تتفلت؛ حيث تتكرر شكاوى المواطنين في الخرطوم والولايات من نهب وابتزاز واستخدام للسيارات العسكرية في غير أغراضها، فضلا عن تورطها في احتكاكات مع المدنيين، واعتقالات غير قانونية، وصراعات على الطرق والمناطق، واستغلال للنفوذ لحماية مصالح شخصية. هذه "التفلتات" ليست حوادث فردية، بل هي نمط يعكس رفض الاندماج الحقيقي والتمسك بقوة خارجة عن سيطرة الجيش.

إن الدولة السودانية اليوم ليست مطالبة أولاً بتوفير الطعام أو الخدمات - رغم أهميتها - بل بتوفير الأمن وفرض هيبة القانون. فكيف يُبنى اقتصاد أو مجتمع مستقر في ظل تعدد المليشيات التي تتحرك بحرية داخل الأحياء، تُرهب المواطنين، وتُدير مناطق نفوذ؟ إن التحالف المؤقت ضد مليشيا الدعم السريع لا يمنح ترخيصا دائما للفوضى، واستمرار هذه التجاوزات يقوض الثقة في الجيش نفسه، ويُعيد إنتاج دوامة العنف التي دمرت دارفور والمنطقتين لعقود.

المواطن السوداني يرى اليوم قواتا ترفع شعار "الكفاح" لكنها تمارس سلوك المليشيات من ابتزاز، ونهب، واستغلال. إن اتفاق جوبا لم يكن مجرد ورقة لتقاسم السلطة، بل كان بوابة للدولة الوطنية، ورفض الدمج المهني والتسريح يجعل هذه الحركات جزءً من المشكلة لا الحل.

لقد آن الأوان للقيادة العسكرية أن تفرض الترتيبات الأمنية بحزم ودون مجاملة؛ فيجب دمج الملتزمين مهنيا، وتسريح البقية في الحياة المدنية، ومحاسبة كل من يرتكب تفلتا. إن الشعب السوداني، الذي يدفع ثمن الحرب غاليًا، لا يحتمل مليشيات جديدة تحت أي مسمى. الأولوية الوطنية اليوم هي: أمن يُعيد الثقة، وقانون يُعيد الهيبة، وأي تساهل هنا يعني استمرار الانهيار .

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.